ميشيل سيمان هو ناقد فرنسي ورئيس تحرير مجلة Positif المعروفة باتجاهها المُضاد لمجلة Cahiers du cinéma الشهيرة. ظهر هذا الحوار بالإضافة إلى حوارين عن Barry Lyndon وThe Shining في كتاب Kubrick لسيمان الذي تم إصداره عام 1980.
س: منذ ظهور فيلم A Clockwork Orange، ظهرت الكثير من التحليلات والرؤى عنه. كيف تراه أنت؟
ك: الفكرة الأساسية في الفيلم هي طرح التساؤل عن الإرادة الحرة. أيفقد المرء إنسانيته عندما يُحرم من التخيير بين الخير والشر؟ أنصبح – كما يشير الاسم – برتقالة آلية؟ أخرجت التجارب الحالية لعمليات التأهيل والتحكم في العقل هذا التساؤل من عالم الخيال العلمي. في نفس الوقت، أظن أن التأثير الدرامي للفيلم يحوم حول شخصية أليكس الاستثنائية، وكما تخيلها أنتوني برجس في روايته الحاذقة والبديعة. رجّح آرون ستيرن، الرئيس السابق لجمعية الفيلم الأمريكي والممارس للطب النفسي كذلك، أن أليكس يمثل اللاوعي: الإنسان في طبيعته الفطرية. بعدما تعرض لعلاج لودوفيكو أصبح “متمدنًا”، ويمكننا رؤية الاعتلال الذي لحقه على أنه الاضطراب العصابي الذي سببه المجتمع.
س: قسيس السجن يعتبر شخصية مركزية في الفيلم؟
ك: قسيس السجن الذي قام بدوره جودفري كويجلي، بالرغم من أنه مُتخفٍ وراء غطاء ساخر، إلا أنه يمثل الصوت الأخلاقي في الفيلم. فهو يتحدى الانتهازية المتهورة للدولة في إكمالها لبرنامج تأهيل المجرمين عبر الإصلاح النفسي. يجب أن يكون هناك توازن بالغ الحساسية في دور جودفري لضبط شخصيته الهزلية نوعًا ما والأفكار الهامة التي عليه المناداة بها.
س: على مستوى سياسي، تظهر نهاية الفيلم تحالفًا بين القاتل والسلطة.
ك: في النهاية تلجأ الحكومة لتوظيف المجرمين وأكثر أفراد المجتمع عنفًا ليكون بإمكانهم التحكم في أي شخص آخر — وهذه ليست بفكرة جديدة. بهذا المعنى، نرى عبارة أليكس الأخير “لقد تم معالجتي على أكمل وجه” مشابهة لعبارة سترانجلوف الأخير “سيدي الرئيس، بإمكاني المشي الآن.” الصور الأخير لأليكس تظهره كالطفل المدلل لمجتمع شمولي فاسد، وشفاء سترانجلوف بعد عملية علاجه الإعجازية من الشلل، كلاهما يلعبان لصالح الدراما والتعبير عن فكرة.
س: ما يضحكني هو اعتبار الكثير ممن كتبوا عن الفيلم هذا المجتمع شيوعيًا، في حين أنه لا يوجد سبب لاعتباره هكذا.
ك: دور الوزير الذي قام به أنتوني شارب، يمثل شخصية يمينية بوضوح. أما الكاتب الذي أدى دوره باتريك ماجي، فيمثل الشخصية اليسارية المخبولة. نراه يقول “يجب أن يتم اقتياد الناس ودفعهم وسَوقهم!”. ثم يلهث ويقول في الهاتف “سيتخلون عن حريتهم من أجل حياة أسهل!”
س: لكن هذه قد تكون نفس كلمات الفاشيين بالضبط.
ك: نعم بالطبع، هم يختلفون في دوجمائيتهم فقط. من الصعب تمييز وسائلهم وحدود أفكارهم.
س: أنت تتعامل مع العنف بأسلوب تقوم فيه بعزله فيختفي بعيدًا.
ك: لو حدث هذا فسيكون السبب أن أليكس هو من يروي كل الأحداث من وجهة نظره، في الرواية والفيلم. فطالما أنه يملك طريقة مميزة للغاية في رؤية ما يفعله، فقد يكون لهذا بعض الأثر على عزل العنف. أصر البعض على أن هذا جعل العنف شيئًا جذابًا. وأظن أن هذه النظرة خاطئة تمامًا.
س: المرأة القطة أكبر سنًا في الكتاب. لم غيرت عمرها؟
ك: هي تؤدي نفس الغرض الذي أدته في الرواية، لكني أظنها مثيرة للاهتمام أكثر إلى حد ما في الفيلم. صحيح أنها أصغر، لكنه جافّة عاطفيًا وعدوانية بطريقة غير عادية.
س: كذلك قمت بإلغاء عملية القتل التي ارتكبها ألكيس في السجن.
ك: ذا بسبب مشكلة طول الفيلم فقط. فعلى أي حال، مدة الفيلم ساعتين وسبعة عشر دقيقة، ولم يبدُ أنه مشهد لازم.
س: لم يعد أليكس مراهقًا في الفيلم.
ك: ليس من السهل تحديد سن مالكولم ماكدويل في الفيلم، وقد كان الممثل الأمثل لهذا الدور بلا أدنى شك. سيكون الأمر أفضل لو كان مالكولم في السابعة عشر وقتها، لكن لن يتحسن الأمر لو وضعت ممثل آخر في السابعة عشر من عمره بدون موهبة مالكولم الاستثنائية.
س: يعتبر السجن – إلى حد ما – هو المكان الأكثر أُلفة للواقع في الفيلم بكامله. بالإضافة إلى السجان، البريطاني التقليدي الأكثر عطفًا من بين الكثير من الشخصيات.
ك: دور السجان الذي قام به مايكل بيتس، هو أداء للحارس صاحب الطباع القديمة للنظام الجديد. لا يدرك إلا القليل من المشاكل التي حوله، لا يستطيع تفهم المجرمين ولا المُتعرضين للتأهيل. مع كل صراخه وترهيبيه، فهو أقل شرًا من رؤساءه العصريين والأكثر تعقيدًا.
س: في أعمالك تظهر الدولة أسوء من المجرمين، لكن العلماء يكونون أسوء من الدولة.
ك: لن أصيغ الأمر بهذه الطريقة. يبدو العلم الحديث بالغ الخطورة بسبب إتاحته لنا قوة تدمير أنفسنا قبل أن نعرف كيفية السيطرة عليها. على الجانب الآخر، من السخافة لوم العلم على اكتشافاته، وعلى أية حال فليس بإمكاننا التحكم في العلم. من بإمكانه عمل هذا على أية حال؟ السياسيون بالطبع ليسوا مؤهلين لاتخاذ القرارات التقنية الضرورية. قبل إجراء اختبارات القنبلة الذرية الأولى في لوس آلاموس، اعترضت مجموعة صغيرة من الفيزيائيين على الاختبار بسبب اعتقادهم بوجود احتمالية أن انفجار النقبلة سيسبب سلسلة انفجارات قد تؤدي إلى دمار الكوكب بأكمله. لكن أغلبية العلماء لم يوافقوهم وأوصوا بإكمال التجربة. قرار تجاهل هذا التحذير الرهيب والإكمال في الاختبار تم بواسطة عقول سياسية وعسكرية لا تفهم الفيزياء بالتأكيد. سيفكر الواحد منا بأنه لا يوجد إنسان عاقل سيقرر إكمال الاختبار عندما يخبره مجموعة صغيرة من العلماء أن هذا قد يدمر الأرض. حقيقة أن الأرض لا تزال موجودة لا يغير مدى إجفال القرار الذي اتخذ في هذا الوقت.
س: أليكس مرتبط للغاية بالفنون (بيتهوفن) وهذا ما ينقص بقية الشخصيات. بدت المرأة القطة مهتمة بالفن الحداثي، لكنه فاتر في الواقع. ما رأيك تجاه الفن الحداثي؟
ك: أظن أن فترة ما قبل الاحتلال مع الذاتية أدّوا إلى فوضى وجدب في الفنون. الفكرة التي تقول أن الواقع موجود فقط في عقل الفنان، وأن ما اعتبره الناس البسطاء واقعًا لأزمنة طويلة هو مجرد وهم، كانت هذه الفكرة عامل تنشيط في البداية، لكنها أدت في النهاية إلى أعمال إبداعية مُبتكرة وشديدة الذاتية وغير مُثيرة للاهتمام بالمرة. في فيلم Orpheé يسأل الشاعر ماذا عليه أن يفعل، فيُجاب عليه “أدهشني”. هذا هو الموجود في أعمال قليلة للغاية من الفنون الحداثية.
س: حسن، أتظن أنه بإمكاننا وصف أفلامك بالبديعة المُبتكرة؟
ك: أنا أتحدث عن الابتكارات الرئيسية في شكل الفيلم، لا أقصد الجودة أو المحتوى أو الأفكار. وفي هذا الصدد فأنا أعتبر أفلامي غير بعيدة عن البناء التقليدي للفيلم والذي بدأ باتخاذ مناحي عديدة منذ بداية ظهور الصوت.
س: توجد إشارة في الفيلم إلى المسيح.
ك: أليكس يتخيل خيالات عنيفة عن كونه جنديًا رومانيًا وقت الصلب بينما يتظاهر بدراسة الإنجيل في مكتبة السجن. بعد عدة لحظات، يخبر قسيس السجن أنه يريد أن يكون إنسانًا صالحًا. القسيس وهو الشخص الوحيد المُحترم في القصة، ينخدع بتوبة أليكس الزائفة. يعتبر المشهد مثال آخر على سوداوية روح أليكس.
س: لكن لم قمت بتصوير مشهد الصلب هذا كفيلم هوليوودي رديء؟
ك: اعتقدت أن خيال أليكس سيكون بهذه الطريقة، لهذا فهو يستخدم اللهجة الأمريكية التي سمعناها مرارًا في الأفلام المستوحاة عن القصص الإنجيلية، عندما يصرخ “تحرك هناك!”
س: أنت صاحب فكرة بار الحليب؟
ك: جزء من الفكرة. رأيت معرضًا لمنحوتات تمثل أجساد نساء على أنها أثاث. من هذا المعرض خطرت لي فكرة منحوتات الزجاج المغزول العارية التي استُخدمت كطاولات في بار الحليب. جون باري، الذي كان المخرج الفني للفيلم، قام بتصميم المكان. لكي يحصل على الأوضاع المضبوطة للمنحوتات، قام جون بتصوير عارضات عاريات في عدة أوضاع حتى يتخيل كيف يمكن تخيلهنّ صانعاتٍ لطاولة، وهي أوضاع أقل مما قد تظن.
س: يعتبر Dr. Strangelove أول فيلم قمت فيه بالفعل باستخدام الموسيقى كإشارة ثقافية مرجعية. ما هو أسلوبك في التعامل مع الموسيقى بشكل عام؟
ك: في حالة أنك لا تريد موسيقى بوب، فلا أرى أي سبب لإقحام نفسك في الموسيقى الأوركستالية العظيمة من الزمن الفائت والحاضر. يمكن أن تُستخدم هذه الموسيقى في شكلها المضبوط أو أن يتم توليفها، كما تم مع موسيقى بيتهوفن في بعض مشاهد A Clockwork Orange. لكن لا يوجد أيّ داعٍ في تكليف عازف بعمل الموسيقى، فمهما كان محترفًا، فهو ليس بموزارت أو بيتهوفن، فسيكون متاحًا لك هذا الاختيار الواسع لوضع الموسيقى الأوركستالية التي تضمن أعمالاً مُعاصرة وتجريبية.
س: أتم الانتهاء من الموسيقى بعد إنجاز الفيلم كاملاً؟ وعلى أي أساس تم اختيارها؟
ك: الجزء الأكبر منها تم وضعه بعد إنجاز الفيلم، لكن بعضها كان داخل عقلي منذ البداية. من الصعب الإفصاح عن كيفية اختيار الموسيقى. فالأفكار تحدث لك، تحاول إخراجها، وفي درجة معينة تشعر أنك تنجز الأمر مضبوطًا. الموضوع يخص الذوق والحظ والخيال، كما هو كل شيء مرئي مُتعلق بالسينما.
س: هل ذوقك الموسيقي مرتبط بأصول والدك الفينيسية؟
ك: أبي ولد في أمريكا، وهو طبيب يعيش في كاليفورنيا. أمه رومانية وأباه جاء من مكان يُعتبر جزء من بولندا الآن. لذا أظن أن ذوقي الموسيقي مُكتسب لا مُورَّث.
ك: لا أتعمد أي نمط في اختيار القصص التي أقوم بتحويلها إلى أفلام. العامل الوحيد في اختياري هو محاولتي في ألا أكرر نفسي. إن لم يكن بإمكانك أن تكون نظاميًا في اختيار قصتك لتحويلها لفيلم، تبدأ بقراءة أي شيء. بالإضافة إلى الكتب التي أجدها مثيرة للاهتمام، فأنا أعتمد على الحظ والصدفة جوارًا مع الكتاب. أقرأ بلا وعي ذاتي حتى أتجنب الدخول في التأثير العاطفي للقصة. لو أثبت الكتاب إثارته للانتباه ووضع نفسه كاختيار محتمل، أقوم بقراءات متتابعة بحرص أكبر، وعادةً ما آخذ الملاحظات في نفس الوقت. الأمر الأخير هو أن يكون الكتاب كما أريد، ومن المهم للغاية تذكر انطباعاتي خلال القراءة الأولى، أثناء المراحل اللاحقة لعمل الفيلم. خلال فترة عملك في الفيلم، وربما بعد أكثر سنة، كل شيء يبدو مألوفًا لك فتصبح في ورطة أن كثرة التفاصيل تمنعك من رؤية الصورة الكاملة. لهذا فإنه في غاية الأهمية استخدام الانطباع الأول كمعيار لاتخاذ القرارات عن القصة فيما بعد. مهما كان المخرج، ومهما كان مدركًا لما قام بتصويره وتعديله، فلن يستطيع أبدًا إدراك نفس تجربة المشاهد عندما يشاهد الفيلم لأول مرة. تلك المرة الأولى بالنسبة للمخرج تكون انطباعاته أثناء القراءة الأولى للقصة، ويجب أن تقبع تلك الانطباعات والإثارة حتى نهاية العمل على الفيلم. لحسن الحظ لم أختر قصة اختفت فيها الإثارة. سيكون شيئًا فظيعًا لو حدث.
ك: ما هي المشاريع المتعددة التي أسقطتها من حساباتك؟
واحد منها كان سيناريو لقصة The Burning Secret لشتيفان تسفايج، والذي كتبته بالمشاركة مع كالدر ويلينجهام في منتصف الخمسينيات، ل دوري سكاري في شركة MGM، بعدما انتهيت من عمل The Killing. تدور القصة عن أم تذهب في عطلة بمرافقة ابنها وبدون زوجها. يفتنها رجل جذاب قابلته في فندق المنتجع حيث يقيمان. يكتشف ابنها الأمر ولكن عندما يعودان إلى المنزل في النهاية يكذب الفتى في لحظة حرجة لمنع أبيه من معرفة الحقيقة. هي قصة جيدة ولكني لست واثقًا من جودة السيناريو. بعد عدة سنين، كتبت سيناريو غير مكتمل عن عصابة فرسان موزبي، كتيبة حرب عصابات شمالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية.
كتبت كذلك في هذا الوقت سيناريو يسمى I Stole 16 Million Dollars بناء على السيرة الذاتية لمخترق الخزائن المعروف هربرت إميرسون ويلسون. كتبته لكيرك دوجلاس ولم يعجبه، فكانت هذه نهايته. عليّ الاعتراف بأني لم أكن شغوفًا باستمرار بأي من هذه السيناريوهات.
كذلك رواية Rhapsody: A Dream Novel التي كتبها آرثر شنتسلر، نويت تحويلها لكن لم أبدأ العمل فيها حتى الآن [قام بتحويلها كيوبرك فيما بعد إلى فيلم Eyes Wide Shut]. هذا كتاب من الصعب وصفه — أيوجد كتاب ممتاز ليس كذلك؟ يستكشف الكتاب التناقضات في المسائل الجنسية في الزيجة السعيدة. ويحاول الموازنة بين أهمية الأحلام الجنسية والأحداث التي كان من الممكن أن تحدث لكن لم تتم، مع الواقع. كل أعمال شنتسلر بارعة سيكولوجيًا، وكان يحظى باحترام بالغ لدى فرويد، والذي كتب له مرة يعتذر في عن تجنبه دومًا للقاء شخصي يجمعهما. ذاكرًا طرفة في الخطاب. قال فرويد أن هذا كان بسبب خوفه من الخرافة الشائعة التي تقول أنك ستموت لو قابلت نظيرك.
س: أقمت بعمل فيلم للتلفاز الأمريكي في حوالي عام 1960 عن لينكولن؟
ك: كان في بداية الخمسينيات، ولم أعمل سوى ما يقرب من أسبوع حيث قمت بتصوير لقطات وحدة ثانية (Second unit shots) في كنتاكي للمنتج، ريتشارد دي روتشيمونت.
س: يظهر في أفلامك افتتانًا بألمانيا: الموسيقى الألمانية، شخصيات Dr. Strangelove، البروفيسور زيمف في Lolita.
لن أضم الموسيقى الألمانية مع هؤلاء، ولن أقل أنني مُفتتن، لكني مُنبهر مثل غيري برعب الفترة النازية. سترانجلوف وزيمف هما محاكاة ساخرة عن النازيين ككليشيه من كليشيهات السينما.
س: تبدو مهتمًا للغاية بلغة الحوار في الفيلم. نجد أن التلاعب بالألفاظ ذو دور رئيسي في Lolita وA Clockwork Orange.
ك: بالطبع. لكن لم تكن اللغة هي اهتمامي الأساسي في A Clockwork Orange، بالرغم من كونها مُتقنة. لكن الأكثر إتقانًا هي القصة والشخصيات والأفكار. بالطبع اللغة تعتبر ركيزة مهمة في الرواية، وأضافت الكثير إلى الفيلم كذلك. أظن أن A Clockwork Orange واحد من الكتب القليلة للغاية التي تلاعبت بعلم نَظْم الكلمات (Syntax) وأضاف كلمات جديدة كانت مناسبة في وقتها.
مع ذلك، في الفيلم، أظن أن الأدوات الرئيسية التي عليك العمل بها هي الصور والموسيقى والتقطيعات وتعبيرات الممثلين. اللغة أداة مهمة لكني سأضعها بعد هؤلاء. بقدر اهتمامي، أغلب المشاهد الخالدة في أعظم الأفلام هي المبنية بدرجة كاملة من الصور والموسيقى.
س: يمكننا إيجاد هذا النوع من المحاولات في بعض الأفلام التجريبية الأمريكية.
ك: نعم بالطبع، لكن كما قلت، تنقصهم التقنيات لإظهار أسلوبهم.
س: الأشياء القوية التي تخلد في ذاكرتك قد تكون الصور لكن ربما تكون تلك القوة آتية من الكلمات التي تسبق الصور. رواية أليكس في بداية الفيلم تزيد من قوة الصور.
ك: لا يمكنك وضع قاعدة تقول أن الكلمات ليست أكثر إفادة من الصور. وبالطبع، في المشهد الذي تشير إليه، سيكون أكثر صعوبة بدون الكلمات للتعبير عن أفكار أليكس. توجد مقولة قديمة عن السيناريو تقول أنك لو استخدمت الصوت بدون تحريك الشفاه (Voice-over) فهذا يعني أنه هناك خطأ في السيناريو. أنا واثق من خطأ هذه المقولة، فعندما يجب نقل الأفكار، خاصةً عندما تتعلق بطبيعة شيء ما لن يذكرها شخص لآخر، فلا يوجد بديل جيد غير هذا.
س: هذه المرة كتبت السيناريو بمفردك. كيف تقارن بين مشاكل كتابة سيناريو ومشاكل كتابة رواية؟
ك: كتابة سيناريو شيء مختلف للغاية عن كتابة رواية أو قصة بديعة. فالقصة الممتازة تعتبر إنجازًا كالمعجزة، وأظن أن هذا الوصف ينطبق على إنجاز برجس مع روايته. A Clockwork Orange ذات عُقدة مدهشة، وشخصيات قوية وفلسفة واضحة. عندما تكتب كتابًا مثل هذا، فقد أنجزت شيئًا بحقّ. على الجانب الآخر، كتابة سيناريو لكتاب هو عمل أقرب من كونه عملية منطقية — شيء ما بين الكتابة وحلّ شفرة. لا يتطلب الأمر الإلهام أو ابتكار الروائي.
لا أقول أنه من السهل كتابة سيناريو ممتاز. بالطبع الأمر ليس كذلك، فهناك الكثير من الروايات العظيمة تعرضت للتخريب خلال عملية التحويل.
مهما كنت جادًا في مقاصدك، ومهما آمنت بأهمية أفكار القصة، فإن التكلفة الضخمة للفيلم تحتم الوصول لجذب أكبر عدد ممكن من الجمهور لتلك القصة، حتى يكون بإمكانك إعادة المال لمُموليك الذي يأملون في تحقيق الربح. لن يتجادل أحد في أن القصة الممتازة هي نقطة انطلاق أساسية لتحقيق هذا. لكن هناك أمر آخر أيضًا، كلما كانت القصة أقوى، تزيد الفرص التي بإمكانك اقتناصها في كل شيء.
أظن أن سترانجلوف مثال جيد على هذا. فهو مقتبس عن رواية تشويق ممتازة للغاية، رواية Red Alert التي كتبها بيتر جورج، طيار سابق في سلاح الجو الملكي. فكل الأفكار التي ظهرت في القصة وكل أحداث التشويق موجودة هناك وإن تحولت تمامًا إلى كوميديا سوداء.
س: نهاية A Clockwork Orange مختلفة عن نهاية كتاب برجيس.
ك: توجد نسختان مختلفتان من الرواية. واحدة ذات فصل إضافي. لم أقرأ تلك النسخة إلا بعدما انتهيت من السيناريو عمليًا. يظهر هذا الفصل الإضافي إعادة تأهيل أليكس. لكن بقدر اهتمامي، فهو غير مقنع وغير متناسق مع أسلوب ومقصد الكتاب. لم أندهش عندما علمت أن الناشر طغى على برجس فحذف الفصل الإضافي، لكي ينتهي الكتاب بسمة أكثر إيجابية. لم أفكر جديًا بالطبع في استخدامه.
س: في A Clockwork Orange، يظهر أليكس كشخصية شريرة، كما كان سترانجلوف، لكن أليكس أقل بُغضًا نوعًا ما.
ك: أليكس لديه حيوية وشجاعة وذكاء، لكن لا يمكنك غض النظر عن أنه شرير بالدرجة الأولى. في نفس الوقت، يوجد تطابق نفسي غريب نوعًا ما يحدث للمشاهد تدريجيًا معه، بالرغم من أنك قد تنصدّ عن سلوكه. أظن أن هذا بسبب عدة أشياء. أول شيء هو أن أليكس صادق تمامًا في روايته للأحداث، ربما حتى بطريقة مؤلمة. ثانيًا، بسبب مستوى اللاوعي الذي أظن أن كل الناس يشاركون أليكس نفس الملامح البارزة لشخصيته.
س: هل تجذبك الشخصيات الشريرة؟
ك: بالطبع لا، لكنهم ممتازين كشخصيات للقصص. الناس يقرأون كتبًا عن النازيين أكثر من العناوين الرئيسية للأخبار الشنيعة للصحف. الشخصيات الشريرة عادةً ما تكون أكثر إثارة من الشخصيات الخيّرة.
س: كيف تفسر الإعجاب الساحر الذي يفرضه أليكس على المشاهد؟
ك: أظن أن هذا بسبب أننا ندرك شخصية أليكس في مستوى اللاوعي. يخبرنا الأطباء النفسيون أن اللاوعي لا يملك وعيًا — وربما توجد احتمالية بوجود أليكس في لاوعي كل منا. وهذا فقط بسبب نتيجة للأخلاقيات والقانون وأحيانًا شخصياتنا الفطرية التي لا تريدنا أن نكون مثله. ربما يثير هذا الأمر اضطراب بعض الناس ويفسر جزئيًا بعض الجدل الذي قام عن الفيلم. ربما هم غير قادرين على قبول تلك الرؤية للطبيعة البشرية. لكن أظن أنك ستجد نفس الظاهرة السيكولوجية في مسرحية Richard III لشكسبير. لن تشعر سوى بالبغض تجاه ريتشارد، لكن عندما يتم أداء الدور بطريقة ممتازة، مع لمسة سخرية وسحر فاتن، تدريجيًا ستجد لديك نوع من التطابق معه. ليس بسبب أنك تتعاطف مع طموح ريتشارد وأفعاله، أو أنك تحبه أو تظن أن الناس يجب أن يكونوا مثله، فعندما تشاهد المسرحية، ستجده تدريجيًا يدخل إلى وعيك، ويبدأ إدراك هذا في التخلخل داخل خبايا العقل. في نفس الوقت، لا أظن أنه يمكن أن يخرج شخص من المسرح معتقدًا أن ريتشارد الثالث أو أليكس هما نوعية الناس الذين يُعجب بهم المرء ويتمنى أن يكون مثلهما.
س: ينتقد البعض الأخطار المحتملة الناتجة عن هذا الإعجاب.
ك: لكنه ليس إعجابًا يشعر به المرء، وأظن أن من يقول هذا مخطئ تمامًا. وأظن أن وجهة النظر تلك، بالرغم من أنها آتية من أناس ذوي نية طيبة وذوي تفكير جيد، فهم يسعون نحو رقابة أشدّ وأكثر شمولية. لن يفسد أي شخص من مشاهدة A Clockwork Orange أكثر من مشاهدته ل Richard III. حصل A Clockwork Orange على تقدير عالمي باعتباره عملًا فنيًا مهمًا. تم اختياره كأفضل فيلم في جمعية نقاد نيويورك وحصلت على جائزة أفضل مخرج. وفاز بجائزة ديفيد دوناتيلو الإيطالية. واقتنص جائزة جمعية نقاد بلجيكا . وفاز بجائزة German Spotlight. حصل على أربعة ترشيحات أوسكار وسبعة ترشيحات من الأكاديمية البريطانية للأفلام. وفاز بجائزة هوجو كأفضل فيلم خيال علمي.
وحصل على إعجاب كل من فيليني وبونويل وكوروساوا. وأشادت به بعض المجموعات التعليمية والعلمية والسياسية والدينية وحتى رجال القانون. يمكنني الإكمال في هذا. لكن الفكرة كلها في أني أريد إيصال أنه تم تقبل الفيلم كعمل فني، ولا يوجد أي عمل فني يسبب الضرر الاجتماعي، مع أن هذا الضرر قد حدث بواسطة من سعوا لحماية المجتمع من هذه الأعمال الفنية التي اعتبروها خطيرة.
س: ما تصورك تجاه العنف والإيروتيكية في عملك؟
ك: يصور ديكور الفيلم الإيروتيكي رؤية تنبؤية بالنسبة للقصة، فهو يفترض أن الفن الإيروتيكي سيصير في النهاية فنيًا رائجًا، ومثلما يكون بإمكانك شراء لوحات للحياة البرية الإفريقية في وولورزث، قد تستطيع شراء ديكور إيروتيكي يومًا ما. يجب إعطاء العنف الموجود في القصة صبغة درامية كافية حتى يمكن رؤية المعضلة الأخلاقية التي يطرحها في سياقها الصحيح. فبالطبع عند رؤيتنا لإذناب أليكس بعنفه الرهيب تجاه المجتمع، وعندما تم تحويله إلى إنسان ميت غير مؤذٍ بواسطة الدولة، يكون بإمكاننا الوصول إلى استنتاجات ذات معنى عن القيم النسبية للصواب والخطأ. لو أننا لم نر أليكس كسفاح وحشي لا يرحم أحدًا سيكون من السهل علينا الموافقة على أن الدولة شاركت في عمل بالغ الشر في حرمانه من حرية الاختيار بين الخير والشر. يجب أن يكون واضحًا لنا أنه من الخطأ تحويل المجرمين السفاحين الذين لا يمكن مسامحتهم إلى أناس بليدي الإحساس وخاملي العقل.
س: ما رأيك في ازدياد كمية العنف على الشاشة في السنوات الأخيرة؟
ك: دائمًا ما كان هنالك عنف في الفنون. الإنجيل فيه عنف، هناك عنف عند هومر وعند شكسبير، ويعتقد الكثير من الأطباء النفسيين أنه يكون تطهيرًا أكثر من كونه مِثالاً. أعرف الكثير من الناس ذوي نية طيبة يؤمنون فعلاً أن الأفلام والتلفاز يزيدون من كمية العنف، لكن أغلب الدراسات الرسمية التي تبحث في الإجابة عن هذا السؤال لم تجد دليلاً حتى الآن لدعم وجهة النظر هذه. في نفس الوقت، أظن أن وسائل الإعلام تستخدم القضية لأنها تعطيهم المساحة لعرض ومناقشة ما يسمى بالأشياء الضارة من موضعٍ نبيل واعتلاء أخلاقي. لكن، من يرتكبون الجرائم العنيفة ليسوا أناس عاديين تحولوا إلى سفاحين قذرين بسبب برامج غير مناسبة على التلفاز أو الأفلام. وأبعد من هذا، من يرتكبون الجرائم العرفية هم دائمًا لديهم سجل طويل في السلوك المعادي للمجتمع،
س: أليكس يحب الاغتصاب وبيتهوفن: ما المعنى الذي يتضمنه هذا؟
ك: أظن أن هذا يعني فشل الثقافة في إحلال أي إصلاح أخلاقي على المجتمع. أحبّ هتلر موسيقى رفيعة وكان هناك الكثير من القادة النازيين المثقفين والمعقدين فكريًا، ولكن هذا لم يغير أي شيء فيهم أو في غيرهم.
س: تتعامل أفلامك مع حدود القوة والحرية.
ك: يستكشف الفيلم الصعوبات الموجودة في التصالح بين حرية الفرد والنظام الاجتماعي. أليكس يستخدم حريته ليكون سفاحًا شرسًا إلى أن تقوم الدولة بتحويله إلى إنسان ميّت غير مؤذٍ لا يستطيع الاختيار بين الخير والشر. من استنتاجات الفيلم، أنه بالطبع توجد حدود للمجتمع في حمايته للقانون والنظام. يجب ألا يختار المجتمع الطريقة الخاطئة لعمل الأمر الصحيح، مع أنه غالبًا ما يفعل الأمر الخاطئ بالطريقة الصحيحة.
س: ما الذي جذبك في رواية برجس؟
كل شيء. خط سير القصة، الشخصيات، الأفكار. كذلك كنت مهتمًا بمدى اقتراب القصة من الحكايات الخيالية والأساطير، خاصةً في الاستخدام المكثف والمقصود للصدفة وتماثل الأحداث.
س: في أفلامك، تبدو نظرتك ناقدة لكل الاتجاهات السياسية. أتصنف نفسك متشائمًا أو أناركيًا؟
ك: بالطبع لست أناركيًا، ولا أظن نفسي متشائمًا. أنا أؤمن بقوة في الديمقراطية البرلمانية، وأنا مع الرأي الذي يؤمن بأن قوة وسلطة الدولة يجب تحسينها وتقنينها إلى الحد اللازم لإبقاء الأمور “متمدنة”. أظهر لنا التاريخ ماذا يحدث عندما تجعل المجتمع متمدنًا أكثر من اللازم، أو عمل أعمال خيّرة أكثر من اللازم للقضاء على عناصر غير مرغوبة. كذلك يوضح التاريخ لنا المغالطة المأساوية الكامنة في الاعتقاد أن تدمير المؤسسات الديمقراطية سيؤدي إلى قيام مؤسسات أفضل بدلاً منها.
