بعد مرور ثلاثين عامًا على وفاته، يظل فرانسوا تروفو واحدًا من كبار السينما العالمية ومبدعيها المعروفين. يعتبر ذا تأثير قوي في الموجة الفرنسية الجديدة، لم يخف تروفو يومًا من المجازفة بأخذ المخاطر، سواء كانت فنية أو سياسية. متجهًا مع روح رفاقه الجريئين في الموجة الجديدة، أثرى تروفو السينما بنماذج أعمال تظل مُبهرة دومًا لكل من يراها لأول مرة.
كانت شهرة المخرج الفرنسي وصديقه القريب جين-لوك جودار تطغى على تروفو ولا تزال حتى الآن. مع أنهما كانا من أهم من قادوا مسيرة النجاح الجماهيري وإعجاب النقاد للموجة الفرنسية الجديدة، التي يعتبر جودار رمزها. يمكننا القول أن أسلوب جودار مميز وأكثر حدّة من أسلوب تروفو.
لكن على الجانب الآخر، اللمسات المُتقنة لأسلوب تروفو الثري لا تقل أهمية. كان تروفو فنانًا بكل جوارحه مع شغفه الواسع بفن السينما، وغير طرق صناعة الأفلام عبر فلسفة سينما المؤلف الخاصة به Auteur Theory. هذه قائمة بأهم أعمال تروفو، لمن يريد الدخول في تجربة فنه للمرة الأولى أو المرة الثانية عشر.
1- Les Quarte Centre Coups 1959
غالبًا ما يُذكر أنه تُحفة تروفو الخالدة، فيلم The 400 Blows هو عن قصة خفّاقة للمشاعر بطريقة جميلة، عن فتى صغير مضطرب، فأنتونين (جين-بير لو)، يكافح لكي يجد مكانه في العالم ويتم جذبه نحو عالم الجريمة في شوارع باريس. يحكي الفيلم القصة بطريقة روائية تسلسلية، يتتبع الفتى خلال مشاكله في المدرسة والحياة المنزلية الفقيرة، وتتزايد رؤيته التشاؤمية نحو الحياة.
بينما يبدأ ظهور أنتونين كمهرج سخيف في الفصل وينتهي به الحال إلى متهم ولص سجين، يحيك تروفو تعاطفًا داخل المشاهد عبر عرض كل من جرائمه والأسباب التي اضطرته لارتكابها. أكثر الأشياء اللافتة للنظر عن أنتونين هي حساسيته المرهفة، وهي سمة شخصية غير اعتيادية في الشخصيات الإجرامية في السينما. هو ليس فتًا سيئًا بالفطرة، بل هو يتصرف نتاج الظروف السيئة التي لاحقته طوال حياته. فهو يعيش في شقة ضيقة مع أم متعجرفة وأب حنون لكن ضعيف.
ليس لديهما الكثير من المال لدرجة أن أنتونين لا يملك غرفة نوم خاصة، بل مجرد سرير يتم سحبه في غرفة المعيشة. عادةً ما يسخر منه معلموه وينقصون من قدره. لم يكن لديه أي إرشاد أو أي شخص يظهر له طريقة العيش بقناعة، فكل البالغين الذين يعرفهم ليسوا بسعداء. ما يقوم به تروفو هنا بطريقة ذكية، هو إعطاء المشاهد الفرصة لينظر خلال عقل طفل تائه، ويشجعه ليكون لديه حرص أكبر على تطوير مجتمعنا عبر حماية شبابنا.
2- 1962 Jules et Jim
هذه القصة، بكل تراجيديتها الواضحة، في الواقع هي مستوحاة عن قصة حقيقية. هنري-بير روتشي، روائي فرنسي، كتب قصة حبه البائسة داخل مثلث الحب هذا في روايته ذات نفس الاسم التي كتبها عام 1953 . كان تروفو متحمسًا للغاية للكتاب، كما كان متحمسًا لرواية روتشي الأخيرة Les Deux Anglaises et le Continent، وقد حول تروفو كلا الروايتين إلى عملين من أعظم أعماله.
بينما يعتبر Tirez Sur le Pianiste فيلم دراما وجريمة تشويقية، كذلك هو نظرة مرهفة الحس لنفسية الإنسان. ما يمكننا تعلمه في النهاية عن تشارلي، والذي سأمتنع عن ذكره لعدم حرق الأحداث، هو أن كل الصراعات التي شارك فيها كانت ذات مغزى عقلاني. الموسيقى التصويرية مثيرة، مع سيناريو حاد وأداء مذهل من تشارلز أزنافور مما يجعل هذا العمل من أكثر أعمال تروفو جودةً.
ولع تروفو بالأدب والمعرفة يجعلانه هو بالذات متعهدًا لهذا العمل. يعبر بطريقة ذكية عن الصراع الداخلي بين معتقدات جاي وشغفه، مخرجًا لنا استقطابًا بصريًا مع شخصيتي جولي كريستي. هي، مجازًا، تمثل كلاَ من إذعانه الجبان وتعطشه الغريزي للحرية. اختيار نفس الممثلة لهذين الدورين هو لمسة عبقري. أيضًا بإمكانك ملاحظة لمسة متقنة أخرى وهي ظهور نسخة من مجلة Cashiers du Cinema في الفيلم، مجلة النقد السينمائي التي قام تروفو بالكتابة فيها قبل عمله كمخرج، حيث تتطاير ورقاتها المشتعلة في مشهد قوي لحرق كتب.



