4/4
روجر إيبرت
16 أبريل، 2000
قال لوي بونويل أنه لو يملك عشرين عامًا ليعيشها وسُئِلَ عن الطريقة التي سيريد أن يعيش بها، كانت إجابته: “اعطني يومًا فيه ساعتين للأعمال، وسآخذ الإثنتا وعشرين ساعةً المتبقية في الأحلام – مع إمكانية تذكرهم.” كانت الأحلام هي جمر أفلامه، ومنذ بداية أيامه كسُريالي في باريس وصولاً إلى أعماله الخالدة في أواخر السبعينيات، كان منطق الحلم دومًا ذو الأفضلية ليقاطع الواقعية في أفلامه. تلك الحرية أعطته خاصية مميزة للغاية، جعلته مثل ألفريد هيتشكوك وفديريكو فيلّيني، الذين يمكن التعرف على أعمالهم بسرعة بالغة.
فيلمه الأول، كتبه بالمشاركة مع الفنان المعروف غريب الأطوار سلفادور دالي، Un Chien Andalou 1928. لا العنوان “كلب أندلسي” ولا أي شيء في الفيلم كان المقصود به معنى ما. يظل الفيلم هو الفيلم القصير الأكثر شهرة على الإطلاق، وأي مهتم بالسينما سيراه عاجلاً أم آجلاً، عادةً عدة مرات.
من المفيد تذكُّر أن “Un Chien Andalou” لم يُصنَع بواسطة بونويل ودالي الكهلين كما نراهما في الصور، لكن بواسطة شباب جامحين في العشرينيات من عمرهم، مُثارون حتى الثمالة من الحرية في باريس خلال عقد الجيل الضائع. هناك اتصال مدفون بين السُرياليين وفرقة Sex Pistols، بونويل وديفيد لينش، دالي ودامين هيرست (الفنان الذي عرض عمل لنصف حَمْل في مكعب بلاستيكي). “بالرغم من هذا فلم يعتبر السُرياليون أنفسهم إرهابيين،” كتب هذا بونويل في سيرته الذاتية، “كانوا باستمرار يحاربون مجتمعًا قد احتقرهم. سلاحهم الأول لم يكن البنادق، بالطبع؛ كان الفضيحة.”
فضيحة “Un Chien Andalou” أصبحت واحدة من أساطير السُرياليين. في العرض الأول للفيلم، يزعم بونويل، أنه وقف خلف الشاشة مع جيوبه المليئة بالحجارة، “لإلقائها على المشاهدين في حالة حدوث حادثة.” الآخرون لا يتذكرون أمر الحجارة ذاك، لكن ذكريات بونويل كانت بمثابة إعادة كتابة حيّة لتاريخ الحياة. عندما شاهد ورفاقه الفيلم السوفيتي الثوريّ لآيزنشتين Battleship Potemkin، قال، أنهم بعدما غادروا المسرح بدأوا فورًا بوضع الحجارة في الطريق لبناء المتاريس. أهذا صحيح؟
يُعدّ “Un Chien Andalou” واحد من أولى الأفلام اليدوية – الأفلام التي اعتمد فيها صانعوها على ميزانية قليلة للغاية، بدون تمويل من ستوديو معين. يعتبر الجد الأكبر لأعمال جون كازافيت وأفلام الديجيتال المستقلة التي تُصنع اليوم. بونويل (1900-1983)، إسبانيّ أغرته أحلامه الغامضة بأن يصبح فنانًا إلى الذهاب لباريس، حيث وجد وظيفة في صناعة السينما، تعلم المهنة، وتم طرده بسبب إهانته للمخرج العظيم أبيل جانس ثم انجرف إلى فلكِ السُرياليين.
قضى بضعة أيام في منزل دالي، رفيق إسبانيّ، وأخبره بالحلم الذي حلم به، والذي فيه يقطعُ السحابُ القمرَ إلى نصفين، “مثل موسى حلاقة يقطع عينًا.” أخبره دالي بحلمه الذي يظهر فيه يد يخرج منها نمل زاحف. “وماذا لو بدأنا من هناك وصنعنا فيلم؟” سألَ بونويل، وفعلوا هذا. كتبوا السيناريو معًا، وأخرجه بونويل، آخذًا عدة أيام فقط وقد اقترض الميزانية من أمه.
بالمشاركة في كتابة السيناريو، كانت طريقتهما هي رمي الصور الصادمة أو الأحداث الواحدة تلو الأخرى. قبل تصوير أي مشهد في الفيلم كان يجب أن يتفق كلاهما عليه. “لا توجد فكرة أو صورة قد تؤدي إلى تفسير منطقي من أي نوع ستُقبل،” يقول بونويل متذكرًا. “فتحنا كل الأبواب إلى اللاعقلانية واحتفظنا فقط بالصور التي أدهشتنا، بدون المحاولة أن نفسر لماذا هذا أو ذاك؟.”
يتبع مشهد القمر مشهد آخر لرجل يمسك بموسى حلاقة (بونويل) ويقطع عين امرأة (في الواقع كانت عين بقرة – بالرغم من أن الأسطورة حولتها إلى عين خنزير). النمل الخارج من اليد يتبعه مُخنَّث يركب دراجة، إبط كثيف الشعر، يد مقطوعة على الرصيف، عصا تعبث باليد، تحرُّش جنسي على طريقة الأفلام الصامتة، امرأة تدافع عن نفسها بمضرب تِنس، الشخص المُقدَّر أنه المُغتصِب يجرُّ البيانو بحِمْله العجيب، وهلُّم جرًا. لوصف الفيلم سيكون من السهل تحديد مشاهده، طالما أنه لا توجد قصة لتربط بينهم.
ومع ذلك حتى الآن لازلنا نحاول ربطهم، تحليلات لا تُحصى طبقت النظريات الفرويدية، الماركسية واليونجية على الفيلم. بونويل سخر منهم أجمعين، بالنظر إلى الفيلم فهو يعلمنا كيف أننا اعتدنا من الأفلام الأخرى على إيجاد معنى حتى لو لم يوجد.
طلب بونويل من ممثلة أن تنظر من النافذة إلى “أي شيء – موكب عسكري، ربما.” في الواقع، في المشهد التالي يقع المُخنَّث ميتًا من على دراجته. نحن نفترض طبيعيًا أنها تنظر إلى الجسد المُلقى على الرصيف. أمر غريب وبعيد عن كل ما اعتدناه من الأفلام أن نستنتج أن مشهد الرصيف الآتي بعد مشهد النافذة لا يربطهما رابط. بنفس الطريقة، نفترض أن الرجل يجرُّ البيانو (مع القسِّيسَيْن، الحمير الميتة، وغيرهم) داخل الغرفة بسبب أن المرأة التي تحمل مضرب التِنس صدَّت رغبته الجنسية. لكن قد يخالفنا بونويل في أن هذه الأحداث بلا رابط – رغبة الرجل قد صُدَّت، وبعدها، كحدث بلا معنى مرتبط، يمسك الحبال ويبدأ بجرِّ البيانو.
بينما نتمعَّن في “Un Chien Andalou،” من المفيد أن نلقي نظرة باهتمام مساوٍ إلى أنفسنا بينما نشاهد الفيلم. نحن نفترض أن هذه “قصة” هؤلاء الناس في الفيلم – هؤلاء الرجال، تلك النسوة، هذه الأحداث. لكن ماذا إن كان هؤلاء الناس ليسوا أبطال الفيلم بل مجرد “موديلز” – ببساطة هم ممثلون عاديون تم استئجارهم لتجسيد أفعال معينة؟ نحن نعرف أن تلك السيارة في معرض السيارات لا تخص (ولم تُصمم أو تُبنى بواسطة) الموديل في ملابس الاستحمام الذي يشير إليها. بونويل قد يخالفنا في أن ممثليه لديهم علاقة بالأحداث المحيطة بهم.
لوي بونويل (1900-1983) صنع فيلم سُريالي آخر، L’Age d’Or 1930، والذي اُتهم بتدنيس المقدسات وتم حظره لسنين عديدة. كان عاملاً قديرًا لدى شركة MGM في وقت ما، يقوم بالإشراف على النسخ إسبانية اللغة من الأفلام الهوليوودية. أنجز العديد من الأفلام في المكسيك، البعض منهم، مثل The Young and the Damned وThe Criminal Life of Archibaldo de la Cruz الذي حصل على تقدير كبير. في سن الحادية والستين أصبح ذا شهرة عالمية مع عمله الشهير Viridiana مع مشهده الصادم الذي تم على غرار العشاء الأخير، وفي السبعة عشر عامًا التالية، فترة كانت مُلهمة إنتاجيًا، حيث بدأ في إنتاج أفلام مُذهلة، الواحد تلو الآخر، مثل The Exterminating Angel، Diary of a Chambermaid، Belle de Jour، That Obscure Object of Desire، The Discreet Charm of the Bourgeoise، Tristana و The Phantom of Liberty.
فيلم “Un Chien Andalou” هو رافع الستار: بمعنى، أنه لم يكن أبدًا غير مؤمن به. هذا هو فيلم مُنشِّط. يهاجم العادات العتيقة وغير الواعية لسير الأفلام. هو مزعج، محبط، جنوني. يبدو كأنه بلا معنى (وحتى الآن، إلى أية درجة حقًا يوجد معنى في مشاهدة أغلب الأفلام التي نشاهدها؟). توجد لمسة ساخرة فيه، ورغبة لطيفة في الإهانة. أغلب المشاهدين اليوم لم يشعروا بالإهانة، وربما هذا قد يعني أن السُرياليين قد ربحوا ثورتهم: لقد أثبتوا أن الفن (والحياة) لا يجب أن يطيعان التقاليد المُقيدة التي فُرضت منذ الأزمنة السحيقة. وكل هذا في فيلم لا يزال حيًا ولم يمت بالإجماع، لن تعرف أبدًا ماذا ينتظرك عندما تنظر من نافذتك.