Home / سينما / مارتن سكورسيزي يكتب عن كوبريك

مارتن سكورسيزي يكتب عن كوبريك

هذا النص المترجم من مقدمة مارتن سكورسيزي لكتاب Kubrick: The Definitive Edition لميشيل سيمان، نسخة يونيو 2001.
 

عندما خرج فيلم Eyes Wide Shut للنور، بعد عدة أشهر من موت ستانلي كيوبريك في عام 1999، استقبله المشاهدون بطريقة خاطئة تمامًا، ولم يكن الأمر مفاجئًا على الإطلاق. لو قمت بالعودة ومراجعة ردود الفعل السابقة لأي فيلم لكيوبريك (باستثناء أفلامه الأولى)، ستجد أن كل أفلامه وصلت للناس بطريقة خاطئة في البداية. مثلما تم اعتبار 2001 أو Barry Lyndon أو The Shining بعد خمس أو عشر سنين أعمالاً لم يسبق إخراجها من قبل.

لو أن كيوبريك كان حيًا ورأى فيلمه الأخير، فمن الواضح أنه كان سيصاب بالإحباط الشديد من ردود الأفعال العدوانية. لكني متأكد من أنه كان سيمحص في الأمر ثم يستمر في عمله. مثل كل الحالمين الصادقين والمتنبئين، الذين لا يرون العمل بنفس الطريقة التي يراها أي شخص آخر. يملك الفنانون مثل كيوبريك عقلاً واسعًا وديناميكيًا يكفي لتصوير العالم في فيلم، ليس لإدراك ما هو عليه فقط، بل لإدراك ما سيكون عليه.

خذ مثلاً Eyes Wide Shut. الكثير من الناس تعرضوا للإحباط بسبب عدم واقعية الفيلم – شوارع نيويورك التي كانت في غاية الاتساع، مشهد حفل الجنس الجماعي الذي كانت خياليًا بدرجة كاملة، حركة الفيلم بطيئة ومتعمدة. كل هذا صحيح، ولو كان الفيلم مُصممًا على أن يكون واقعيًا، فسيكون منطقيًا تمامًا الحكم على هذه السقطات. لكن الفيلم مستوحى عن رواية قصيرة لشنتسلر تسمى Dream Story، قصة زواج بدأ بالتصدع مَحكية بمنطق الحلم. وككل الأحلام، فلن تعرف بالضبط متى دخلت فيها. كل شيء يبدو واقعيًا ومألوفًا، لكنه مختلف، هناك بعض المبالغات. الأشياء تبدو كأنها مُحتمة الحدوث، أحيانًا بتناغمٍ غريب يكون فيه الهروب منها مستحيلاً. المشاهدون فعلاً لا يملكون أي استعداد لتلقي فيلم بمنطق الحُلم لا يقدم نفسه بوضوح. بدون الإشارات المُعتادة – الضباب المنتشر، الناس يظهرون ويختفون بإشارة يد أو يطوفون حول الأرض. مثل فيلم Viaggio in Italia لروسيليني، وهو فيلم آخر تم استقباله بطريقة خاطئة في وقت إصداره، يأخذ فيلم Eyes Wide Shut زوج عشاق في رحلة مروعة، وفي النهاية نجدهما متعلقين ببعضهما. كلا العملين عن استكشاف كُنه النفس بطريقة فظيعة. كلاهما يسألان نفس السؤال: إلى أي مدى يمكن أن يقبع الصدق والإخلاص داخل إنسان آخر؟ وكلا العملين ينتهيان ببصيص مؤقت من الأمل. بصدقٍ كامل.

مشاهدة فيلم لكيوبريك مثل التحديق في قمة جبل. عندما تنظر إلى الأعلى وتتعجب، كيف يمكن أن يتسلق أحدهم هذا الارتفاع؟ هناك الكثير من الطرقات العاطفية والصور والفضاءات في أفلامه والتي تملك قوة غير قابلة للتفسير، مع قوة مغناطيسية تجذبك ببطء، بغموض: عندما يسير الطفل بعجلته الكبيرة داخل الدهاليز اللانهائية للفندق في The Shining؛ هذا الصمت الهائل للفضاء الخارجي في 2001؛ تلك العظمة لحجرة الحرب في Dr Strangelove، المخيفة والهزلية في نفس الوقت؛ المستقبل الوحشي في A Clockwork Orange؛ الحميمية الخالصة لتشابكات توم كروز ونيكول كيدمان في Eyes Wide Shut.

لست متأكدًا من أنه لديّ فيلم مفضل لكيوبريك، لكن نوعًا ما دائمًا ما أعود لتفضيل Barry Lyndon. أظن لكونه تجربة عاطفية بالغة العُمق. فيه يتم إيصال المشاعر عبر حركة الكاميرا، ببطء الحركة، بالطريقة التي يتحرك بها الشخصيات حسب ظروفهم المُحيطة. لم يفهم الناس الفيلم عندما تم إصداره. والكثيرون لم يفهموه بعد. ببساطة، هو صور بالغة الجمال تأتي واحدةً تلو الأخرى، أنت تشاهد رجلاً يتحرك بدايةً من البراءة الأكثر نقاءً إلى التعقيدات الأكثر قسوة، منتهيًا بوجعٍ مرير – والأمر كله ليس سوى محاولة بسيطة للبقاء على قيد الحياة. إنه فيلم رهيب بسبب كون الجمال الظاهر على ضوء الشموع ليس سوى حجابًا تتخفى أسوء أنواع القسوة وراءه. لكنها قسوة واقعية، هذا النوع الذي تراه كل يوم في المجتمع المهذب.

ستانلي كيوبريك كان واحدًا من الأساتذة الحداثيين القليلين، وهذا الإصدار الأخير من كتاب ميشيل سيمان مرجعٌ نفيس. وكحديث شخصي، فقد شاهدت ودرست أعمال كيوبريك مرارًا وتكرارًا عبر السنين. كان متفردًا في حسّه الذي كان يعيد تعريف وسط العمل وكل مُمكناته في كل فيلم جديد. لكنه كان أكثر من مُبتكر تقني. مثل كل الحالمين الصادقين، كان يتحدث بلسان الحقيقة. ولا يهم إلى أي مدى نكون متآلفين فيه مع الحقيقة، فدومًا ما تكون هناك صدمة عميقة تضرب قلبنا عندما نواجهها.

طالع أيضًا: 
Tagged:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *