نُشر هذا المقال للمخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، في مجلة Sight & Sound (المجلد الثلاثون، عام 1960/61، ص14.)
أظن أن الرواية المثالية لتحويلها لفيلم لا تحوي كمية كبيرة من الأحداث، بل على العكس، هي الرواية التي تهتم بشكل أساسي بالجوانب الباطنية لشخصياتها. ستتيح الرواية لمن يقوم بتحويلها مساحة حرة مطلقة، كما كانت أفكار ومشاعر الشخصيات في أية لحظة في القصة. وعبر هذا سيكون بإمكانه خلق الأحداث المتدافعة التي ستكون متلازمة موضوعيًا مع المحتوى النفسي للكتاب، ستقوم بخلق الدرامية بطريقة ضمنية مضبوطة.أظن أنه عندما يتحدث الفيلم أو المسرحية عن ثابت صادق في الحياة، فعليه أن يتحدث بطريقة غير مباشرة تمامًا، حتى يتجنب الاستنتاجات السطحية والأفكار المحبوكة بدقة مُبالغ فيها. ويجب أن تكون تخيّلات المخرج مترابطة تمامًا مع الإحساس العقلاني بالحياة كما هي، وعليه أن يحقن وعي المشاهد بالرفض بطريقة بارعة. الأفكار الصحيحة والصادقة ذوات أوجه مُختلفة، فلا يعرضون أنفسهم للإساءة المباشرة. المشاهد هو من يجب أن يكتشف الأفكار، وارتعاشات انفعالاتهم تجعل ذلك الاكتشاف أكثر قوة. أن تستخدم انفعال الجمهور من الدهشة واستنتاجات المشاهد لكي تعزز من قوة أفكارك، أفضل من أن تعززها بطريقة فنية عبر النقاط الرئيسية للأحداث أو الدراما الزائفة أو ديناميكية المسرح الزائفة.يُقال أحيانًا أن الرواية الممتازة تعطي أملاً واعدًا في النجاح أقل من الرواية العادية. لا أظن أنه هناك مشاكل خاصة بالروايات العظيمة غير موجودة في الروايات الممتازة نوعًا ما أو المتوسطة؛ باستثناء أنك ستتعرض لوابلٍ من النقد لو كان الفيلم سيئًا، مع أنك قد تظن أنه جيد. أظن أنه يمكن تحويل أي رواية إلى فيلم بنجاح. شرط ألا يفقد جمالياته بسبب طول الرواية. مثلاً، نوعية الروايات التي تعتمد بشكل كبير على سلسلة مختلفة ومهمة من الأحداث تكون متعلقة بالقصة بشكل رئيسي، فسيفقد العمل الكثير من المعانى عندما تجتز الكثير من أحداث الرواية وتوابعها. سألني الناس عن كيفية إمكانية عمل فيلم من رواية Lolita التي تعتمد على أسلوب نابوكوف النثري المميز. لكن تحويل هذا الأسلوب النثري مثله مثل غيره من العوامل المميزة للكتاب العظيم. بالطبع، جودة الكتابة هي واحدة من العناصر الهامة لإنجاز الرواية العظيمة. لكن هذه الجودة هي نتيجة لجودة هوس الكاتب بموضوعه، مع مفهوم رؤيوي للحياة وإدراك للشخصية. أسلوب الكتابة هو ما يستخدمه الكاتب لإبهار القارئ حتى يكون بإمكانه نقل مشاعره وعواطفه وأفكاره. هذا ما يجب أن يتم تحويله دراميًا، وليس الأسلوب. يجب أن يكون للتحويل أسلوب بذاته، وسيحدث هذا لو استطاع التحويل الإمساك والقبض على محتوى العمل. وبعمل هذا سيخرج جانب آخر من البنية يكون قد اختفى في الرواية. قد يكون بنفس جودة الرواية؛ وفي أحيانٍ أخرى قد يكون أفضل بكثير في عدة نواحٍ.
مما يدعو للغرابة، أن التمثيل ذو دور مؤثر في هذه المسألة. ففي أفضل الأدوار، تحوي الدراما الواقعية تسلسلاً من المشاعر والطباع التي تلعب دورًا مهمًا في اللعب بمشاعر المشاهد وتحول المعاني التي قصدها المؤلف إلى تجربة عاطفية. هذا يعني أن المؤلف لا يجب ألا يعتبر الأوراق والحبر والكلمات أدوات كتابته، بل الجسد والمشاعر هي عمله الأهم. وفي هذا الصدد، أشعر أنه ثمة عدد قليل من الكتاب بإمكانهم إدراك المشاعر التي يستطيع الممثل إيصالها والتي لا يستطيع. عادةً، يتوقع الكاتب أن ثمة نظرة صامتة ستفي بالكشف عن حل لغز، وفي اللحظة التي تليها يعطي الممثل مدة طويلة يقوم فيها بإلقاء خطبة لإيصال شيء يكون واضحًا تمامًا وأن النظرة الخفيفة ستكون كافية لإيصاله. يظن الكتاب أن إبداع الدراما يتطلب الكثير من الكلمات، ويغيب عنهم إدراك أن القوة الأعظم التي يملكونها هي الطباع والمشاعر التي يستطيعون إبرازها للمشاهد عبر الممثل. هم ينظرون للمثل بنظرة دونية، كأنه شخص يقوم بتخريب ما كتبوه، بدلاً من رؤية الممثل كجزء لازم في وسطهم.
قد تتعجب كنتيجة لهذا، ما إن كان الإخراج ليس سوى مُتابعة مستمرة للكتابة لا أكثر ولا أقل. أظن أن هذا ما يجب أن يكون عليه الإخراج. ويتبعه أن الكاتب-المخرج هو الأداة الدرامية الأمثل؛ وتظهر لنا عدة أمثلة كيفية قيام شخص واحد بضبط هاتين التقنيتين المميزتين، وأظن أن هذا ينتج باستمرار الأعمال الأكثر جودة.
عندما لا يكون المخرج هو مؤلف العمل، أظن أن واجبه يكون في الأخذ بنسبة واحد بالمئة من معاني ومقاصد المؤلف وألا يضحي بأي منها من أجل جودة وتأثير العمل. هذه تبدو فكرة واضحة بإنصاف، فكم من المسرحيات والأفلام كانت التجارب فيها مثيرة ومُلفتة لكنك تشعر أنها أقل في المسرحية مما رأته عيناك في الفيلم؟ وهذه هي الوظيفة الدائمة للمحاكاة الصناعية للحواس عبر التقنيات التي تستخف بالتصميم الداخلي للمسرحية. وهنا تظهر عبادة المخرج في أقصى درجاتها.
على الجانب الآخر، لا أريد أن أكون صارمًا. فلا شيء أكثر إبهاجًا في صناعة الأفلام يفوق المشاركة في عملية إكمال الفيلم، خلال التعاون الحي بين نص الفيلم والمخرج والممثلين، كما يجري الأمر. أي نوع آخر من الفنون يتم عبر التبديل ذهابًا وإيابًا بين الفكرة وتنفيذها، تكون النية الأساسية معدلة باستمرار حتى يحاول الشخص جعل إنجازه موضوعيًا. عندما يرسم الرسام لوحة فهذا يكون بينه وبين لوحته؛ عند عمل الفيلم يكون الأمر بين الناس.