حين خرجت الطبعة الأولى من ديوان «أزهار الشر» إلى النور في يونيو عام 1857 عن دار الناشرين أوغست بوليه-مالاسيس وأوجين دي برواز، لم يكن شارل بودلير يقدّم للقارئ الفرنسي مجرّد مجموعة شعرية غنائية، بل كان يدشّن قطيعة جمالية ومعرفية مع الإرث الرومانسي السائد. غير أن هذا التحوّل الجذري سرعان ما اصطدم بجهاز الرقابة الصارم للإمبراطورية الثانية؛ فبعد أيام قليلة من حملة صحفية شرسة أطلقتها جريدة «لو فيغارو» في الخامس من يوليو 1857، حرّكت مديرية الأمن العام بوزارة الداخلية بالتنسيق مع وزارة العدل الفرنسية دعوى قضائية انتهت بمصادرة النسخ وإحالة الشاعر وناشريه إلى الغرفة السادسة في محكمة الجنح بباريس (محكمة السين) يوم العشرين من أغسطس عام 1857. لم تكن تلك المحاكمة مجرّد واقعة قضائية عابرة، بل مثّلت مواجهة تأسيسية بين منطق القانون الوضعي الذي يقرأ الأدب بوصفه وثيقة حرفية ذات أثر سلوكي مباشر، ومنطق الحداثة الشعرية القائمة على الرمز والوحدة المعمارية واستخلاص الجمال من قاع الهاوية الإنسانية.
تكشف مرافعة نائب المدعي الإمبراطوري إرنست بينار —وهو القاضي ذاته الذي كان قد خاض قبل أشهر قليلة معركة الادعاء ضد غوستاف فلوبير في محاكمة رواية «مدام بوفاري»— عن جوهر القلق الأخلاقي والسياسي لسلطة الإمبراطورية الثانية. استند الادعاء إلى المادتين الأولى والثامنة من قانون 17 مايو 1819، موجّهاً لبودلير تهمتين رئيسيتين شملتا ثلاث عشرة قصيدة من أصل مئة: «الإساءة إلى الأخلاق الدينية» في أربع قصائد (من بينها إنكار القديس بطرس وهابيل وقابيل وابتهالات للشيطان)، و«انتهاك الأخلاق العامة والآداب الحميدة» في تسع قصائد جسّدت، في نظر النيابة، إيروتيكية فاضحة.
أدرك إرنست بينار منذ البداية خطورة موقع الشاعر وفرادته، فأقرّ بأن بودلير «لا ينتمي إلى مدرسة، ولا يستمدّ شرعيته إلا من ذاته»، لكنه حدّد وظيفة القضاء في عبارة صارت شعاراً للرقابة الأدبية في القرن التاسع عشر:
«ليس القاضي ناقداً أدبياً مدعواً للفصل بين طرائق متعارضة في فهم الفن وتجسيده، وليس حكماً بين المدارس؛ غير أن المشرّع أناط به مهمة محددة… فالقاضي حارسٌ يقف على التخوم، ولا يجوز له أن يسمح بتجاوز الحدود».
ومن هذا المنطلق، رفض الادعاء حجة الشاعر بأن الديوان يرمي إلى التنفير من الرذيلة عبر كشف فظاعاتها، معتبراً أن مبدأ بودلير القائم على «رسم كل شيء، وتعرية كل شيء، والتنقيب في أعمق طوايا الطبيعة البشرية بألوان صارخة» يفضي حتماً إلى إغواء القارئ الضعيف المثقل بالخطيئة الأصلية. ولخّص بينار موقفه في استعارة بلاغية قلبت عنوان الديوان على صاحبه:
«أيزعمون أن بعض الأزهار ذات العطر المسبّب للدوار صالحة للاستنشاق؟ إن السمّ الذي تحمله لا يبعد المرء عنها، بل يصعد إلى الرأس، ويخدّر الأعصاب، ويبعث الاضطراب والدوار، وقد يقتل أيضاً».
في المقابل، تأسست مرافعة محامي الدفاع غوستاف شيه ديستانج، المستندة إلى الملاحظات النقدية التي أعدّها بودلير نفسه وإلى شهادة الناقد جول باربي دورفيلي، على مبدأ نقدي حاسم: استحالة محاكمة الأثر الأدبي عبر تفتيته إلى شذرات معزولة. جادل الدفاع بأن «أزهار الشر» ليس تجميعاً عشوائياً لقصائد متفرقة، بل هو «عمل شعري ذو وحدة بالغة الإحكام»، له بداية ووسط ونهاية، وأن اجتزاء أبيات بعينها من سياقها المعماري يقدّم للمحكمة «السمّ من دون الترياق». واستشهد بالقصيدة الاستهلالية (إلى القارئ) ليبين أن بودلير يتحدث بلسان عالِم أخلاق صارم، أشبه بوعّاظ الكنيسة الكبار أو بدانتي في «الجحيم» وموليير في «طرطوف»، حيث لا يكون تصوير الشر احتفاءً به، بل تعريةً لدمامته المدمّرة وملَالته الوجودية.
لم تشفع هذه الحجة الجمالية للشاعر أمام المحكمة؛ ففي منطوق حكم العشرين من أغسطس 1857، أسقطت الغرفة السادسة تهمة الإساءة إلى الأخلاق الدينية لعدم ثبوت القصد الجنائي، لكنها أدانت بودلير وناشريه بجريمة «انتهاك الأخلاق العامة والآداب الحميدة». وجاء تسبيب الحكم كاشفاً عن عجز القراءة القضائية عن التمييز بين الواقع المادي والتمثيل الشعري:
«حيث إن خطأ الشاعر في الغاية التي أراد بلوغها وفي الطريق التي سلكها، مهما بلغ الجهد الأسلوبي الذي بذله، وأياً كان اللوم الذي يسبق لوحاته أو يعقبها، لا يمكنه أن يمحو الأثر الوخيم للمشاهد التي يعرضها على القارئ، والتي تفضي بالضرورة في القصائد محل الاتهام إلى إثارة الحواس عبر واقعية فجّة ومؤذية للحياء».
قضت المحكمة بتغريم بودلير ثلاثمئة فرنك (خُفّضت لاحقاً إلى خمسين فرنكاً بتدخل من الإمبراطورة أوجيني)، وتغريم كلٍّ من ناشريه مئة فرنك، مع الأمر ببتر ست قصائد من الديوان حملت الأرقام (20 و30 و39 و80 و81 و87)، وهي: الحُلي (Les Bijoux)، ونهر النسيان (Le Léthé)، وإلى تلك المفرطة في المرح (À celle qui est trop gaie)، وليسبوس (Lesbos)، ونساء ملعونات: دلفين وهيبوليت (Femmes damnées)، وتحوّلات مصاص الدماء (Les Métamorphoses du vampire).
يمثّل اتهام بودلير بـ«الواقعية الفجّة» (réalisme grossier) مفارقة نقدية لافتة؛ فالشاعر الذي كان يحتقر النزعة الواقعية الفوتوغرافية ويرى في الطبيعة مجرّد معجم من الرموز والمراسلات (Correspondances)، حُوكم باعتباره مصوّراً حسياً مباشراً. لقد قرأ القضاة الجسد البودليري قراءة تشريحية حرفية، غافلين عن أن الجسد في تلك القصائد الست لم يكن غاية شهوانية، بل مسرحاً تراجيدياً يتجلّى فيه الصراع بين التوق إلى المطلق والانكسار في قبضة الزمان والموت، حيث تتحول المرأة الفاتنة في تحوّلات مصاص الدماء في لحظة الكشف الشعري إلى «قربة بلون الصديد» وهيكل عظمي يرتطم في الريح.
ظلّ هذا البتر القضائي قائماً من الناحية القانونية قرابة اثنين وتسعين عاماً، رغم أن القصائد المحظورة استعادت حضورها في وجدان الثقافة الفرنسية، وصدرت في بروكسل عام 1866 ضمن مجموعة «الحطام» (Les Épaves) التي كلّفت الناشر بوليه-مالاسيس حكماً بالسجن عاماً كاملاً أمام محكمة ليل في مايو 1868. ولم يُطوَ هذا الفصل رسمياً إلا بعد صدور قانون 25 سبتمبر 1946، الذي منح «جمعية أهل الأدب» حق طلب مراجعة الأحكام الصادرة بجرائم المساس بالآداب العامة عن طريق الكتاب بعد مرور عشرين عاماً على صيرورتها باتة.
وبناءً على أمر صريح من وزير العدل الفرنسي، أصدرت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض الفرنسية في 31 مايو 1949 قرارها التاريخي بإلغاء حكم 1857 وتبرئة ذكرى بودلير وناشريه. وتكمن القيمة النقدية الفريدة لهذا القرار القضائي في أنه لم يكتفِ بإعلان تقادم الحساسية الأخلاقية، بل قدّم في حيثياته تصحيحاً لمنهج القراءة الأدبية ذاته؛ إذ نصّ القرار على أن القصائد الست «لا تتضمن أي لفظ فاحش أو حتى سوقي، ولا تتجاوز في شكلها التعبيري الحريات المسموح بها للفنان»، قبل أن يوجّه نقده الصريح لقضاة الإمبراطورية الثانية:
«إن مثل هذا التقدير، إذ اقتصر على التفسير الواقعي لهذه القصائد وأغفل معناها الرمزي، قد كشف عن طابع تعسفي، ولم يصادق عليه لا الرأي العام ولا حكم الأدب».