خريف 1991
التقيتُ تشينوا أتشيبي للمرة الأولى في يوم مارتن لوثر كينغ، في مطلع هذا العام. كان الثلج يتساقط بغزارة، وكانت الرحلة من نيويورك صعودًا بمحاذاة نهر ساو ميل وطريق تاكونيك شاقة ومثيرة للرهبة. وحين انعطفتُ إلى الطريق الصغير المكسو بالطين المتجمد، المؤدي إلى منزله بالقرب من أنانديل أون هدسون، ودُعيت إلى الدخول، غمرتني على الفور مشاعر الدفء؛ دفء جسدي وروحي في آنٍ واحد. كنت قد سمعتُ هذا عن تشينوا وعائلته. وسمعت أنه ليس مجرد رجل يتمتع بعظمة أدبية هائلة، بل إنه يجسّد إنسانية عميقة ونبيلة على نحو استثنائي.
منذ ذلك اليوم المثلج، حظيتُ بفرصة طيبة لقضاء ساعات طويلة معه في كلية بارد، حيث نعمل نحن الاثنان بالتدريس. ومنذ ذلك الحين قرأتُ كتبه كلها، وأعدتُ قراءتها، وأدرجه بلا تردد ضمن كتّابي المفضلين. وأرى أنه لمن المؤسف أن يظل، رغم كونه بطلًا في بلده نيجيريا، وشخصية معروفة في سائر أنحاء أفريقيا وأوروبا، أقل تقديرًا مما يستحق في الولايات المتحدة. ثمة قراء كثيرون، وأنا من بينهم بالطبع، يرتبطون برؤية تشينوا أتشيبي وأعماله ارتباطًا عميقًا. لكن من الواضح لي أن أعدادًا أكبر بكثير من الناس ستجد فائدة كبيرة في تأمل ما تنطوي عليه رواياته ومقالاته وقصصه وقصائده من دلالات، ولا سيما في هذا البلد، الذي يعزل نفسه أكثر مما ينبغي عن كتّاب العالم، إن جاز لنا أن نسميهم كذلك؛ أولئك الكتّاب الذين يتجاوزون حدود ما يمكن تخيله، ويحاولون مقاربة الحياة في أوسع نطاق ممكن. فمنذ صدور روايته الأولى «الأشياء تتداعى» عام 1958، التي بلغت طبعتها السادسة والأربعين، وفقًا للنسخة الورقية التي أملكها من منشورات فوسيت، وصولًا إلى صدور «لم يعد الأمر ملائمًا»، و«سهم الإله»، و«رجل من الشعب»، وعناوين أخرى كثيرة، رسّخ أتشيبي مكانته بوصفه كاتبًا كبيرًا يتمتع بضمير سياسي واجتماعي وتاريخي.
كُلّفتُ بإجراء هذا الحوار في الأصل من جانب جينجر شور، من مجلة «أنانديل»، حيث نُشر الحوار في صيغة مختلفة، وأود أن أشكرها هي وكيت نورمنت على كل ما قدمتاه من مساعدة. التقينا للمرة الأولى لإجراء هذه المقابلة يوم الاثنين، 19 أغسطس، في الوقت الذي كان فيه إعصار بوب يضرب الساحل الشرقي، بالتزامن مع وقوع محاولة الانقلاب الأخيرة في الاتحاد السوفيتي. وقد استحوذت الأزمات الطبيعية والسياسية على اهتمامنا. وأدى الإعصار إلى انقطاع الكهرباء، فلم نتمكن من استكمال حديثنا إلا في جلسة ثانية، يوم 16 سبتمبر.
برادفورد مورو: في مقالتك «حقيقة التخييل»، تميّز بين التخييل وما تسميه «التخييل النافع». أفهم من كلامك أنك تربط التخييل بالخرافة، وتخصّ التخييل الأدبي بوصف «النافع». وفي ضوء الأحداث السياسية الاستثنائية التي تجري اليوم في الاتحاد السوفيتي، وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تحتله السياسة في رواياتك، أتساءل إن كنت ترى أن وجود عنصر سياسي أمر لا بد منه حتى يكون التخييل نافعًا حقًا؟
تشينوا أتشيبي: إن فكرة التخييل النافع ليست سوى محاولة لتعريف فن الحكي بوصفه عنصرًا إبداعيًا من عناصر التجربة الإنسانية والحياة البشرية؛ شيئًا دأبنا على ممارسته منذ الأزل، وله غاية إيجابية ومنفعة. لكن بعض الناس يتراجعون حين تقول ذلك. لماذا ينبغي للفن أن تكون له غاية ومنفعة؟ غير أنني أرى أن القصص، منذ البداية، كان يُراد لها أن تُمتع الناس، وأن تخاطب فينا ذلك الجانب الذي يستمتع بجمال الشكل وحسن الصياغة وعذوبة الصوت. ومع ذلك، أعتقد أن وراء كل هذا رغبة في جعل تجربتنا في العالم أفضل، وبمجرد أن تتحدث عن جعل الأشياء أفضل، فأنت تتحدث عن السياسة.
مورو: وكيف تعرّف السياسة؟
أتشيبي: كل ما يتعلق بتنظيم الناس داخل المجتمع. هذا هو التعريف. فحين توجد مجموعة صغيرة من الناس تحاول أن تعيش في انسجام، لا بد من قدر من التنظيم، ومن ترتيب سياسي يحدد ما يجوز لك فعله وما لا يجوز، وما يعزز الانسجام وما يؤدي إلى الاضطراب.
مورو: إذن هناك سياسة للأسرة، وسياسة للعلاقات العاطفية، وسياسة للدين، بل وسياسة لعبور الشارع.
أتشيبي: بالضبط. ما نتحدث عنه هنا هو السلطة، والطريقة التي تُستخدم بها.
مورو: أتساءل، إذن، إن كان اتساع التعريف الذي تمنحه لكلمة «السياسة» قد بدّد سؤالي الأصلي. ففي رواياتك، يحتل الاهتمام بالسياسة بمعناها الأضيق، أي سياسة الدولة، مكانة جوهرية. هل تعتقد أن الرواية التي لا تتناول صراحةً سياسة الدولة، أو سياسة تنظيم بلد أو ثقافة، أقل نفعًا من الرواية السياسية؟ قد تكون ممتعة، وربما مكتوبة بإتقان، لكنها في نهاية المطاف أقل قيمة؟
أتشيبي: لا، لن أحاول استبعاد أي عمل. فليس هدفي أن أستبعد شيئًا. إذا كان كتاب ما يستحق هذا الوصف، فلن أستبعده لمجرد أنه لا يتناول السياسة على مستوى الدولة أو العالم. سأقول ببساطة إن هذا أحد السبل لسرد حكاية شديدة التعقيد. فحكاية العالم معقدة، ولا ينبغي لأحد أن يحاول اختزال كل شيء في تعريف واحد محكم، أو وضعه داخل صندوق. لكنني أريد أيضًا أن أؤكد أنه لا يحق لأحد أن يأتي إليّ ويقول: إن أعمالك سياسية أكثر مما ينبغي. إن غريزتي تدفعني إلى الحديث عن السياسة في أعمالي، وهذه غريزتك أنت أيضًا. وبهذا المعنى، فإن روايتك «Come Sunday» حكاية شديدة القوة أيضًا؛ فهي تصوير مؤثر وفعال وقوي للعالم الحديث، بسياساته في مختلف أبعادها. لا ينبغي لنا أن نحاول تجنب ذلك بسبب هذه الخرافة القائلة إن السياسة معادية للفن بطريقة ما. هناك من لا يستطيعون التعامل مع السياسة في أعمالهم التخييلية، فليمتنعوا عن ذلك إذن. لكن ينبغي لهم ألا يصرّوا على أن يتجنب الجميع السياسة، استنادًا إلى خرافة نشأت في الآونة الأخيرة، وتعرّف الفن بأنه شيء شخصي محض، وتأملي داخلي، ومنفصل عن المجال العام. هذا محض هراء. لقد عانى التخييل في الغرب، في السنوات الأخيرة، من هذا القيد. وحين أرى كتابًا مثل كتابك، يتصدى للقضايا الكبرى، من عنف وظلم ووقوع ضحايا، ويتسع نطاقه للعالم كله، وينتقل من المركز إلى الأطراف ثم يعود، أجد ذلك أمرًا عظيمًا. إنه عمل صعب، لكن الصعوبة ليست سببًا للامتناع عنه.
مورو: بالنظر إلى الكيفية التي فرضت بها السياسة العالمية، خلال السنوات القليلة الماضية، حضورها على أجوائنا الحياتية الخاصة، بل وغيّرتها، يتساءل المرء كيف أمكن هذا العدد الكبير من الروائيين الأمريكيين المعاصرين أن يتجنبوا البعد السياسي في أعمالهم، أو، في الحد الأدنى، أن يهمّشوه.
أتشيبي: هذا أمر أود أنا نفسي أن أفهمه. كل ما يمكنني قوله هو أن الموقف غير السياسي لم يكن حاضرًا منذ نشأة الرواية. إنه أمر طرأ خلال المئتي سنة الأخيرة. ولا أعتقد أنه كان أمرًا جيدًا للعالم أو للتخييل. يمكننا أن نأمل أن يبدأ الفنانون بالتراجع عن هذا الاعتقاد. أظن أنهم خُدعوا ودُفعوا إلى الابتعاد عن السياسة من جانب أولئك الذين لديهم مصلحة راسخة في إبقائنا خارجها. فالإمبراطور يفضّل أن يبتعد الشاعر عن السياسة، لأنها مجال الإمبراطور، حتى يتسنى له تدبير الأمور على النحو الذي يراه مناسبًا. وحين يرضى الشاعر بذلك، يكون الإمبراطور سعيدًا، بل ويدفع له المال كي يبقى داخل نطاقه الجمالي. لكن ليس علينا أنا وأنت أن نتفق مع الإمبراطور. علينا أن نقول لا. إن عملنا يتعلق بسلام الناس وسعادتهم وانسجامهم، بل وبسلام الكوكب نفسه وبيئته، وليس الناس وحدهم. إن الطريقة التي نعيش بها في العالم شديدة الأهمية، وكذلك الكيفية التي نرى بها علاقتنا بالبيئة. فإذا نظرنا إلى هذه العلاقة من منظور الغزو والسيطرة، وخرجنا مثلًا لغزو جبل إيفرست، فماذا نكون قد فعلنا؟ حتى اللغة تصبح هنا ذات دلالة. فإذا تسلق شخص جبلًا، قيل إنه غزاه.
مورو: لقد كان إخضاع الطبيعة أحد الأنشطة الرئيسية التي مارسها البشر منذ البداية: إزالة الغابات، وشق الطرق، وبناء المدن. ولا ينبغي أن يدهشنا أن تعاني البيئة حين يتجاوز أحد الأنواع حدود ما ينبغي أن يكون عليه حجمه الطبيعي من حيث عدد أفراده. لم يكن من الصعب فعل ذلك؛ كان بوسع أي حيوان أن يفعله. كان بوسع النمل أن يفعله، وكذلك النباتات. وبالعودة إلى السياسة للحظة أخرى، وبالنظر إلى تحركات دول الكتلة الشيوعية السابقة والجمهوريات السوفيتية نحو الاستقلال، أتساءل كيف تنظر إلى ما يحدث الآن، وأنت الذي شاركت بفاعلية في محاولة بيافرا الانفصال عن نيجيريا. وأردت أيضًا أن أسألك عن حلم بيافرا الذي ضاع: ما الرؤية التي كانت لديك لبيافرا، وأين تعتقد أنها كانت ستصبح اليوم لو لم يضع ذلك الحلم؟
أتشيبي: كانت بيافرا ضرورة في ذلك الوقت، لأنها كانت تمثل حق الناس في أن يقولوا لا للاضطهاد والإبادة الجماعية. وعلى الجانب الآخر من النقاش، هناك من يعتقد أن وحدة الدولة هي الأمر الأسمى، وأن حدود الدولة مقدسة لا يجوز المساس بها، وما إلى ذلك من أفكار. أما بالنسبة إليّ، فعندما تضع هذين الموقفين في مواجهة بعضهما، لا يبقى أمامك سوى موقف واحد تتخذه. إن حرمة الحياة الإنسانية، وسعادة الناس، وحقهم في الانسحاب من أي صيغة لا تناسبهم، كلها أمور تعلو فوق كل اعتبار. لكن الإنسان يعيش، في الوقت نفسه، في عالم عملي تكون فيه القوة والجبروت حقيقتين قائمتين. ولذلك، إذا كانت رغبتك في أن تُترك وشأنك ستؤدي إلى فنائك، وإلى إراقة الدماء على النحو الذي شهدناه، وإلى خسارة ربما بلغت ملايين الأرواح، ونحن لا نعرف حتى عددها على وجه الدقة…
مورو: وكان معظمهم من المدنيين، بالطبع.
أتشيبي: مدنيون، نعم. عندئذ ينبغي للمرء أن يقول: حسنًا، سنصنع السلام.
مورو: ومع ذلك، استمرت الحرب في بيافرا ثلاث سنوات.
أتشيبي: نعم، قرابة ثلاث سنوات. لأنها جاءت نتيجة تجربة مريرة للغاية في المقام الأول. ثم إن القوى الكبرى تدخلت لإطالة أمدها. كما ترى، نحن صغار هذا العالم، أشخاص يمكن الاستغناء عنهم باستمرار. القوى الكبرى تستطيع أن تمارس ألعابها، وهذا بالضبط ما حدث. وفي النهاية، عندما انهارت بيافرا، لم يكن أمامنا سوى أن نلتفت إلى الوراء ونبحث عن وسيلة لإبقاء الناس على قيد الحياة. قال بعضهم: لنذهب إلى الغابة ونواصل الكفاح. كان ذلك سيعني الانتحار، ولا أعتقد أن على أي إنسان أن ينتحر.
مورو: لو لم تكن بريطانيا قد أخضعت نيجيريا لسيطرتها، ولو لم تكن الحرب العالمية الثانية قد أضعفت إنجلترا وأفقدتها قدرتها، فتقرر بالتالي تحرير البلد الذي لم تكن قد استعمرته إلا قبل بضعة عقود، فهل كانت الشعوب الأصلية في نيجيريا قبل قيام الدولة ستشعر بالحاجة إلى الانقسام إلى وحدات سياسية مختلفة على أي حال؟ وهل يُعد الانفصال جزءًا من المسار الطبيعي لتاريخ أي دولة أو جماعة بشرية؟
أتشيبي: تكمن مشكلة التاريخ في أنه، بعد وقوع عدد كبير من الأحداث، يصبح التكهن بما كان يمكن أن يحدث أمرًا بالغ الصعوبة. كانت نيجيريا في الحقيقة من صنع البريطانيين، ولم تستمر تحت حكمهم أكثر من خمسين عامًا. وعندما انتهى الحكم البريطاني، قبلنا فكرة نيجيريا، لكن البلد لم يكن يسير على نحو جيد، وهذا هو السبب الذي أدى إلى ظهور قضية بيافرا برمتها. كان لدى البريطانيين مصلحة راسخة في الإبقاء على هذا الكيان موحدًا، لا من أجل مصلحتنا، بل من أجل مصلحتهم هم. ولم يكن البريطانيون وحدهم في ذلك؛ فقد كانت للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أيضًا مصلحة في الحفاظ على وحدته، بسبب إمكانيات الاستغلال التجاري التي يتيحها. لكن ما لم يفهموه هو أن التجارة تفقد معناها حين يكون الناس تعساء.
وماذا كان يمكن أن تصبح بيافرا؟ كنا نريد نوعًا من الحرية والاستقلال لم نكن نعيشه في نيجيريا. كان قد مضى على استقلال نيجيريا عن بريطانيا ست سنوات، لكن عقل البلد وسلوكه، من الناحية العملية، ظلا على حالهما؛ فقد ظل قادته ينظرون إلى البريطانيين بوصفهم نموذجًا يُحتذى، واستمر المستشارون البريطانيون في إدارة شؤون البلد. وقد أقلق هذا العناصر الأكثر راديكالية في مجتمعنا. والأهم من ذلك أن الحكومة وقفت موقف المتفرج بينما كان يُقتل بعض السكان في مناطق من البلاد على نحو عشوائي، وهو أمر يتعارض مع تصورنا لما ينبغي أن يعنيه الاستقلال عن بريطانيا. لذلك كانت بيافرا محاولة لإقامة دولة تتوافر فيها حرية حقيقية واستقلال حقيقي.
مورو: لكن هل تؤمن حقًا بوجود دولة على وجه الأرض تتمتع بحرية واستقلال حقيقيين؟
أتشيبي: هناك دول تحقق ذلك بدرجة أفضل من غيرها. دعني أضيف بُعدًا آخر إلى ما كنا نأمل تحقيقه في بيافرا، وإلى ما كان يُفترض أن تعنيه تلك الحرية وذلك الاستقلال. قيل لنا، على سبيل المثال، إننا سنظل مضطرين، من الناحية التكنولوجية، إلى الاعتماد على البريطانيين والغرب في كل شيء، ولفترة طويلة جدًا. وكانت شركات النفط الأوروبية تصر على أن تكنولوجيا النفط شديدة التعقيد، إلى درجة أننا لن نتمكن أبدًا، حتى خلال القرون الخمسة المقبلة، من فهمها أو إتقانها. لكننا لم نكن نعتقد أن هذا صحيح. بل إننا تعلمنا بالفعل تكرير نفطنا بأنفسنا خلال العامين والنصف اللذين استمر فيهما الكفاح، لأننا كنا خاضعين للحصار. واستطعنا أن نثبت أن الأفارقة قادرون، اعتمادًا على أنفسهم وحدهم، على تكرير النفط. واستطعنا أيضًا أن نثبت أن الأفارقة قادرون على قيادة طائراتهم بأنفسهم.
وهناك حكاية، ربما لا أساس لها من الصحة، تقول إن طائرة بيافرية هبطت في بلد أفريقي آخر، فخرج منها الطيار وأفراد الطاقم جميعًا، ولم يكن بينهم رجل أبيض واحد. ولم يستطع ذلك البلد، الذي كان تابعًا لفرنسا، أن يستوعب فكرة هبوط طائرة من دون أن يكون على متنها أشخاص بيض. فسألوا: «أين الطيار؟ أين البيض؟»، ثم ألقوا القبض على أفراد الطاقم، ظنًا منهم أن تمردًا قد وقع في الجو. كانت لدينا كفاءات ومواهب، وكان مستوى التعليم في نيجيريا كافيًا لتمكيننا من إدارة شؤوننا باستقلالية أكبر بكثير مما كنا نفعله.
أما سؤالك عما إذا كانت هناك دولة مستقلة حقًا، فالإجابة هي لا. يمكن للمرء أن يدير بعض شؤونه بنفسه، لكنه يظل معتمدًا على الآخرين، ومن الجيد أن يرتبط العالم كله بعلاقات من الاعتماد المتبادل. يستطيع الإنسان أن يكون مستقلًا بوصفه فردًا، لكنه، باعتباره عضوًا في المجتمع، يظل مرتبطًا ببني جنسه. وبالمثل، يمكن للدول أن تدير بعض شؤونها بنفسها، مع بقائها مرتبطة بدول أخرى.
مورو: وُلدتَ في لحظة تاريخية شديدة الأهمية؛ إذ كانت ثقافة أجدادك تتعرض لاختراق ثقافة غريبة عنها. كانت تلك لحظة مفصلية في التاريخ. اعتنق والدك المسيحية، في الوقت الذي ظل فيه والداه وأجداده على ديانتهم القبلية. وكان أفراد من عائلتك يحتفظون بذاكرة مباشرة للمجتمع السابق للاستعمار. وهكذا أتيحت لك فرصة اختبار أثر الكنيسة الأنغليكانية في نيجيريا، وفرض اللغة الإنجليزية على البلاد بوصفها لغة توحيد مركزية. ويخطر لي أنه كان من الصعب للغاية على أي شخص لم يولد في تلك اللحظة تحديدًا أن يكتب الروايات التي كتبتها، وأن يصور بتلك الدرجة من الإقناع حياة أوكونكو في «الأشياء تتداعى»، وحياة الكاهن إيزولو وصديقه أكويبو، وكذلك الكابتن وينتربوتوم، في «سهم الإله»، وحياة أوبي أوكونكو في «لم يعد الأمر ملائمًا». وقد سبق أن قلت إن اختيارك الكتابة باللغة الإنجليزية بدلًا من الإيغبو كان قرارًا عمليًا بحتًا. لكنني أتساءل كيف أمكن لك ألا تشعر بشيء من المرارة حيال ذلك. ففي رواية «لم يعد الأمر ملائمًا» لحظة مؤلمة يشعر فيها أوبي بالحنين إلى أوموفيـا، ويستاء من اضطراره إلى دراسة الإنجليزية في لندن، فيفكر قائلًا: «كان من المذل أن يضطر المرء إلى التحدث إلى مواطنه بلغة أجنبية، ولا سيما في حضور أصحاب تلك اللغة المتباهين بها. فمن الطبيعي أن يفترضوا أن المرء لا يملك لغة خاصة به». هل تشعر أنك كنت قادرًا على كتابة رواية أفضل حتى من «الأشياء تتداعى» لو أنك كتبتها بلغتك الأم؟ وهل تعتقد أن الرواية كانت ستترك أثرًا أكبر في أبناء بلدك لو كُتبت بلغة الإيغبو؟
أتشيبي: لا، الإجابة هي لا. ليست لدي أدنى شك في ذلك. فأبناء بلدي اليوم هم النيجيريون، والنيجيريون عمومًا لا يتحدثون لغة الإيغبو. فالإيغبو ليسوا سوى واحدة من الجماعات العرقية الرئيسية في البلاد. ولو أنني كتبت «الأشياء تتداعى» بلغة الإيغبو، لما استطاع قراءتها سوى أبناء هذه الجماعة؛ لا اليوروبا، ولا الهوسا، ولا الإيبيبيو، فضلًا عن سائر الأفارقة الآخرين، مثل الكيكويو واللوو، وغيرهم ممن قرأوا الرواية في مختلف أنحاء القارة. لقد تركت «الأشياء تتداعى» أثرًا واسعًا خلال السنوات الثلاثين الماضية. وأعرف ذلك يقينًا لأنني سافرت في أنحاء القارة. لذلك لم يكن الأمر ليكون على النحو نفسه لو كتبتها بلغة الإيغبو.
لكن هذا ليس المبرر الوحيد الذي يمكن تقديمه لاختيار لغة دون أخرى في كتابة كتاب. فهناك من قد يقول إنه حتى لو لم يتمكن من قراءة الكتاب سوى عدد قليل من الناس، فإن كتابته بلغة الإيغبو كانت ستظل الخيار الأفضل، لأنك بذلك تضع قوة موهبتك في خدمة لغة أفريقية، وتساعد على إنشاء أدب جديد بها. والإجابة عن هذا الرأي تتوقف على طبيعة الشخص، وعلى تصوره لما ينبغي للأدب أن يفعله. أما أنا فلا أشعر بأي ندم، ولا سيما أنني أكتب أيضًا بلغة الإيغبو. فقد كتبتُ عدة أعمال بها. ولو اعتقدت أن رواية مكتوبة بلغة الإيغبو ستؤدي غرضًا معينًا، لكتبتها.
مورو: هل تُرجمت رواياتك إلى لغة الإيغبو؟
أتشيبي: لا، ليس بعد. وهذا ربما يدل على أننا لم نكن مستعدين بعد للرواية المكتوبة بلغة الإيغبو. لقد كتبت بعض الشعر بلغة الإيغبو، وأنوي كتابة أعمال أخرى بها. لكن، مهما يكن الأمر، أستطيع أن أؤكد لك أن الأدب الذي أنشأناه في أفريقيا خلال السنوات الأربعين الماضية كان له تأثير هائل، وكان هذا التأثير سيكون أقل بكثير لو أننا انسحبنا جميعًا إلى حدود لغاتنا المحلية الصغيرة.
مورو: سبق أن تحدثنا عن أعمال بن أوكري، وهو كاتب نيجيري شاب يعيش في لندن. ما الكتّاب الأفارقة الآخرين الذين ترى أن كتبهم ذات قيمة؟ ولو جاءك طالب مهتم بالتعرف إلى الأدب الأفريقي، وليس لديه أي معرفة سابقة به على الإطلاق، فمن أين تنصحه أن يبدأ؟ ومن الكتّاب الذين تطلب منه قراءتهم؟
أتشيبي: يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالنظر إلى ما أدرّسه في مقررات الأدب الأفريقي التي أقدمها. أركز على الرواية والقصة، لأن إضافة الشعر والمسرح أيضًا ستجعل الأمر واسعًا ومتشعبًا أكثر مما ينبغي. أول ما أريد فعله هو أن أوضح أن أفريقيا قارة. فعندما أسافر حول العالم، أجد الناس يتحدثون عن فرنسا وإيطاليا وأفريقيا، وهذا يحدث حين يكونون متساهلين في أفضل الأحوال! وقد صادفت أشخاصًا يتصورون أفريقيا كما لو كانت مقاطعة دوتشيس. لكن أفريقيا قارة هائلة، تضم تنوعًا واسعًا ومذهلًا في الثقافات واللغات وما إلى ذلك. والطريقة التي أوضح بها ذلك هي تقديم نماذج من مناطق وتواريخ مختلفة في أفريقيا.
لكنني، في هذا المسعى، أواجه قيدًا يتعلق باللغة. فأنا أستخدم كتبًا كُتبت أصلًا بالإنجليزية أو تُرجمت إليها. أبدأ بغرب أفريقيا، وهي منطقة يُنشأ فيها أحد أكثر الآداب حيوية ونشاطًا، فضلًا عن أنها موطني الذي أنطلق منه. ثم أتجه شمالًا، لأضم منطقة من أفريقيا لا يعرف بعض الناس حتى أنها تقع في القارة، وهي مصر. فكثيرون يظنون أن مصر جزء من الشرق الأوسط، لكنها كانت دائمًا في أفريقيا.
مورو: لكن من الكتّاب الذين تعجب بهم أكثر من غيرهم؟
أتشيبي: في الشمال العربي أدرّس أعمال نجيب محفوظ. إنه كاتب متمكن في فن الرواية القصيرة، وإن كان ينتمي إلى جيل قديم تلقّى تعليمه وتكوينه على الطريقة الأوروبية. أما بعض أفضل الكاتبات الشابات وأكثرهن راديكالية في هذه المنطقة، فهن من النساء؛ مثل أليفة رفعت ونوال السعداوي، اللتين تتناولان الصراع والدينامية القائمة بين الرجال والنساء في المجتمع الإسلامي، وهو مجتمع أبوي شديد الصرامة.
ومن غرب أفريقيا، أضم أعمال أموس توتولا، الذي يجسد عن قرب الصلة بين التراث الشفاهي والأدب المكتوب. ومن السنغال أختار إحدى أرقى الروايات الاستعمارية، التي كُتبت أصلًا بالفرنسية، وهي «مغامرة ملتبسة» للشيخ حميدو كان. وهناك أيضًا رواية «خادم المنزل» لفرديناند أويونو، التي تدور أحداثها في الكاميرون إبان الاستعمار.
ثم أنتقل إلى الجنوب. فكثيرًا ما لا يُنظر إلى نادين غورديمر باعتبارها كاتبة أفريقية، لكنها كذلك بالفعل؛ فهي تكتب انطلاقًا من تجربة أفريقية عميقة. ويمكنك أن ترى بالفعل مدى التنوع الذي تنطوي عليه هذه المجموعة من الكتّاب. وبعد ذلك أتجه إلى شرق أفريقيا، وأقرأ أعمال نور الدين فرح من الصومال. أريد من الطالب أن يفهم أن الأفارقة ليسوا أناسًا غريبي الأطوار، وأن ما يحدث في أفريقيا يحدث لأناس حقيقيين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعريفهم بقصص جيدة مكتوبة عن بشر يعيشون حياتهم؛ ثقافة مختلفة، نعم، لكنهم بشر في نهاية المطاف.
مورو: من العناصر اللغوية التي تستخدمها بفاعلية كبيرة في رواياتك الأولى، سواء في الحوارات أو في السرد نفسه، الأمثال والحكم والأقوال المأثورة. وهذه الأمثال، مثل أحد أمثالي المفضلة: «حين نسمع أن بيتًا قد انهار، هل نسأل إن كان السقف قد انهار معه؟»، تحمل طابعًا شفاهيًا محببًا، لكنها في الوقت نفسه تتمتع بقدر كبير من التعقيد البلاغي. فهي تتآلف مع السياق الذي ترد فيه، لكنها تنطوي على قوة إيحائية أكبر بكثير مما يبدو للوهلة الأولى. وهناك عبارة صغيرة مثل «الذبابة التي تحط على كومة من الروث لن تصبح أبدًا أكبر من تلك الكومة» تكتسب شحنة دلالية غريبة بسبب سياقها التاريخي وتداعياتها الاجتماعية. في أمريكا، أو في أي بلد أوشك فيه طقس اجتماع أفراد العائلة لسرد القصص بعضهم لبعض على الاندثار، وحيث يزداد الناس ابتعادًا عن التعبير الشفاهي؛ فبعد كل شيء، لماذا نتكلم والتلفزيون يستطيع أن يتكلم نيابة عنا؟ أين تعتقد أن مستقبل الرواية يكمن؟
أتشيبي: أعتقد أن للكلمات سحرًا، وأن المواقف الإنسانية تولّد سحرًا خاصًا، وأننا نستطيع التقاط ذلك البُعد الإضافي من خلال وضع الأفكار بعضها إلى جوار بعض. ولا ينبغي لنا أن نتحسر على دخول التلفزيون ووسائل الإعلام إلى حياتنا، إذ يمكن النظر إليها ببساطة باعتبارها مصادر أخرى للمعلومات. وأعتقد أن استدعاء ثقافة الماضي واللغة التي ارتبطت بها، أثناء التعامل مع موقف معاصر، كان ميزة حقيقية بالنسبة إليّ. لكن هذه الميزة لم تعد متاحة الآن بالقدر نفسه، حتى في مجتمعي أنا؛ فقد تضاءلت قوتها كثيرًا لدى من يتجهون إلى الكتابة اليوم.
ومع ذلك، أعتقد أن كل جيل، إذا بحث بعمق كافٍ، سيجد المورد الذي يستطيع الاستفادة منه. أما ما يفتقر إلى الثراء فهو الإقليمية المنغلقة. فإذا لم يدرك المرء أن العالم معقد وشاسع ومتنوع، فسيكتب كما لو أن العالم ليس سوى مقاطعة صغيرة واحدة، وهذا سيجعلنا فقراء، وسنكون بذلك قد أفقرنا الرواية. إن واقع اليوم، على اختلافه عن واقع مجتمعي قبل مئة عام، يمكن أن يكون واقعًا مهمًا إذا امتلكنا الطاقة والرغبة في تحديه، والخروج للبحث عنه. إن الخطر الحقيقي يكمن في الميل إلى الانكفاء على ما هو واضح ومألوف، وفي الخوف من ثراء العالم والتشبث بما اعتدنا فهمه دائمًا. وبهذه الطريقة، سرعان ما تنفد طاقتنا، فلا ننتج سوى أدب أنيق ربما، لكنه أدب أنهكه التعب؛ أدب أنيق، لكنه متعب إلى حد بعيد.
مورو: إذن، ليست لديك نظرة إيجابية إلى التقشفية في الكتابة، أو ما يُعرف بالـMinimalism؟
أتشيبي: لا.
مورو: لا ترتبط التقشفية عادة بكلمة «الأناقة». فأنصار هذا الاتجاه، بحسب ما أفهم من تصورهم الجمالي، يعتقدون أنهم يدافعون عن الكتابة المقتصدة في مواجهة النثر المزخرف والمتكلف، ويرون أنفسهم أصحاب أسلوب مقتصد وحاد. وأنا لست ضد الكتابة المحكمة والنظيفة؛ بل إن هذا بالضبط ما نسعى إليه. لكن ثمة فرقًا بين الرشاقة والنحول المرضي. وما تقترحه هو أن أنصار التقشفية قد أفرطوا في الاختزال والتشذيب والصقل، حتى تجاوزوا الحد في تنقيح أسلوبهم.
أتشيبي: لقد صقلوا أنفسهم حتى الفناء.
مورو: ثمة شيء إنساني وجميل للغاية في تقليد الرواية بوصفها شكلًا فنيًا يعرّف نفسه بنفسه. فالرواية، أكثر من أي شكل فني آخر، تتصرف في أفضل حالاتها على نحو يشبه الحياة، بما تتيحه من أخطاء خلاقة ومفعمة بالحيوية. وفي النهاية، لا توجد قواعد ثابتة يتعين على الروائي اتباعها. وهذا هو التقليد الذي سارت عليه الرواية دائمًا. أفكر مثلًا في رواية هنري فيلدنغ «توم جونز»، وفي الاستطرادات التي يوردها فيها صوت «الرجل العجوز على التل»، والتي أربكت النقاد طوال قرون؛ إذ إن تلك الاستطرادات المتشعبة والغريبة لا تنسجم من الناحية الشكلية مع تجارب توم المغامراتية، حتى حين ترد في قلبها. وقد تبدو هذه الاستطرادات هفوةً في نظر الناقد الذي يظن أن هناك دليلًا للقواعد التي ينبغي للروائيين اتباعها. أما بالنسبة إليّ، فإن صوت الرجل العجوز على التل لا يزيد رواية فيلدنغ إلا عظمة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه غير متوقع وفجّ في جرأته، بحيث يجعل بقية أحداث الرواية أكثر بروزًا. ولا ننسى رواية «تريسترام شاندي»، التي لا تقل عن كونها دليلًا من القرن الثامن عشر على كيفية خرق القواعد، بل وعلى كيفية نقض فكرة وجود قواعد من الأساس. وهكذا نجد أن أسلافنا، منذ المرحلة الأولى من تاريخ الرواية، قد رسموا طريقًا للمقاومة الشكلية.
أتشيبي: وللإمكانات الشكلية أيضًا.
مورو: الرواية بذرة تنمو باستمرار. وفي أفضل حالاتها، ستظل شكلًا مفتوحًا. وقد سمعت مؤخرًا بمصطلح «القصوى» أو «الماكسيمالية» باعتباره نقيضًا للتقشفية. لكن ما أتساءل عنه هو: هل شهد تاريخ الرواية عصرًا لم تكن فيه النزعة القصوى حاضرة؟
أتشيبي: لا، لقد كانت النزعة القصوى حاضرة دائمًا.
مورو: ما رواياتك المفضلة؟
أتشيبي: في الواقع، لقد ذكرتَ اثنتين منها. وأود أن أضيف إليهما الروايات الروسية؛ أولئك الكتّاب الذين خرجوا إلى العالم واستولوا عليه بخيالهم.
مورو: يبدو أن هنري جيمس ليس من النوع الذي تستسيغه؟
أتشيبي: لا، لا أظن ذلك. ففي تلك المرحلة من تاريخ الرواية، أصبح الشكل عنصرًا بالغ الأهمية في الكتابة التخييلية. ولهذا التوجه غرضه، وأنا لا أنكر إسهام النمط الكلاسيكي في فن الرواية. لكن حين يتجاوز الاهتمام بالشكل حدًا معينًا، يتحول إلى قيد على الخيال. قد يفيد هذا التوجه نصف دزينة من الأعمال، لكن بعد ذلك لا يبقى منه إلا القليل. وأعتقد أن النقطة التي أشرتَ إليها قبل لحظات مهمة. فالرواية ليست قمة نهائية بلغها الفن. لقد نشأت من حاجة إلى الانفلات من القيود، وحدث هذا الانفلات في لحظات كان العالم فيها يشهد انفجارات وتحولات هائلة. وأفضل نماذج الرواية هي تلك التي ظهرت في لحظات الانفجار هذه، لا في أوقات استقرار الأمور أو خمودها.
مورو: في مقالتك «سُمّيتُ تيمنًا بفيكتوريا، ملكة إنجلترا»، تصف نشأتك في أسرة مسيحية، لكنك تتحدث أيضًا عن انجذابك إلى المشاركة في ولائم الأعياد «الوثنية» التي كان يقيمها عمك، إذ كانت عائلته لا تزال تتبع الديانة القديمة، ذات الطابع الوثني والحلولي، والمختلفة تمامًا عن الديانة الأنغليكانية. ومن اللافت أنك تقول إن فضولك قد أُشبع من خلال هذه التجربة، بدلًا من أن تدخل في صراع روحي بسببها. وهكذا كان هناك دينان يوجهان حياتك في طفولتك. أود أن أعرف مدى أهمية الدين في نشأتك وفي تحولك إلى روائي.
أتشيبي: هذا سؤال كبير ومهم للغاية. من الواضح أن الدين كان له تأثير في بداياتي. بل إن مسيرتي الفنية برمتها ربما انطلقت من ذلك التوتر بين الديانة المسيحية التي اعتنقها والداي، وكنا نتبعها في منزلنا، وبين ديانة أجدادي الأقدم، التي كانت تتراجع وتفقد حضورها، لكنها، لحسن حظي، ظلت حية خارج منزلنا. لقد ولّد هذا التوتر شرارات في خيالي. لم أكن أطرح الأسئلة بطريقة فكرية، لأنني كنت صغيرًا جدًا، لكن أشياء كثيرة يمكن أن تحدث للمرء حتى من دون أن يطرح الأسئلة. لقد كان وجود عمي وإتاحة الفرصة لي للاحتكاك به تجربة أغنتني كثيرًا. ولن أتخلى عن أي شيء مقابل تلك التجربة، بما في ذلك خلفيتي المسيحية الضيقة، إن جاز لي وصفها بذلك.
كان من المفيد للغاية أننا كنا نصلي ونقرأ من الكتاب المقدس وننشد التراتيل ليلًا ونهارًا. ولم أكن أشعر بأي ضيق من كل ذلك. ولم يكن اهتمامي بديانة عمي نوعًا من التمرد، بل كان ببساطة جزءًا من طفولة شديدة الثراء. كنت أنتمي إلى جيل محظوظ، جيل نشأ عند مفترق طرق، في لحظة أفضى فيها التقاء ثقافتين إلى ظهور شيء ذي قيمة. أما اليوم، فقد أصبح من المستحيل أن ينشأ المرء وهو يحمل الإيمان والمعتقدات والموقف نفسه من الدين التي كانت لديّ في طفولتي.
بالطبع، مررت بفترات طويلة من الشك والحيرة، وشهدت مرحلة اعترضت فيها بشدة على يقينية المسيحية، وعلى مقولتها: «أنا الطريق والحق والحياة». حين كنت صغيرًا، لم يكن لهذا القول أي معنى بالنسبة إليّ، لكنني استطعت لاحقًا أن أقارنه بالموقف الأكثر حذرًا وتواضعًا بكثير الذي تتخذه ديانتي الأصلية. فبما أن أبناء تلك الديانة يعترفون بوجود آلهة متعددة، فإنهم يعترفون أيضًا بأنك قد تكون على وفاق مع إله، ثم تقع في خلاف مع إله آخر. قد تؤدي طقوس عبادة الإله أودو على أكمل وجه، ومع ذلك يقتلك الإله أوغوغوو. إن مثل هذه الأقوال والأمثال أكثر قيمة بكثير بالنسبة إليّ، بوصفها إنسانًا يحاول فهم تعقيد العالم، من الموقف المسيحي الضيق والدوغمائي والمفعم بالاستعلاء الأخلاقي واليقين المطلق. إن هذه الديانة الأخرى، بما تنطوي عليه من التباس وتعدد في الاحتمالات، أكثر إشباعًا لي من الناحية الفنية.
مورو: تمامًا مثلما أن الالتباس في شكل الرواية، الذي كنا نتحدث عنه، يمنحها قيمتها. وكيف تنظر الآن إلى الدين على المستوى الشخصي؟
أتشيبي: حسنًا، ما زلت أعيش حالة من عدم اليقين، لكنني لم أعد أشعر بالقلق حيال ذلك. لم أعد أبحث عن الإجابات، لأنني أعتقد الآن أننا لن نعرفها أبدًا. أرى أن ما ينبغي لنا فعله هو أن نجعل رحلتنا عبر الحياة ذات معنى وفائدة قدر الإمكان. وأعتقد أن مساهمتنا في خلق العالم أمر مهم. وأسترشد في هذا بتصور من قصة الخلق لدى شعب الإيغبو، تتضمن حوارًا بين الله والبشر. إنهما يناقشان حالة البيئة، وما ينبغي فعله لنقل الإنسان من حالة التيه، حالة الحيوان، إلى مرتبة الإنسان، أي إلى ممارسة الزراعة.
وترد هذه الفكرة ضمن حكاية، أو قصة رمزية. ففي أحد الصباحات، يجلس الإنسان حزينًا يائسًا فوق كومة من النمل. ويسأله الله عن سبب حزنه، فيجيبه الإنسان بأن التربة شديدة الوحولـة، ولا تصلح لزراعة اليام، وهي الزراعة التي أمره الله بممارستها. فيطلب الله منه أن يستعين بحداد ليجفف التربة باستخدام منفاخ الحدادة.
إن مساهمة البشر في هذا الخلق بالغة الأهمية. كان بوسع الله أن يجعل العالم كاملًا لو أراد ذلك، لكنه خلقه على النحو الذي هو عليه. ولهذا تظل هناك حاجة دائمة إلى أن نتحاور ونتعاون لجعله أكثر قابلية للعيش، حتى تصبح الأرض صالحة للإنبات والإثمار. ويبدو لي أن هذا وحده كافٍ لشغل وقتي وأفكاري، بدلًا من الانشغال بالتساؤل: هل هذا موجود فعلًا؟ أو: أيهما جاء أولًا، البيضة أم الدجاجة؟ يمكن للمرء أن يظل غارقًا في مثل هذه الأسئلة إلى الأبد، لأنها أمور لن نعرفها مطلقًا. أما الأشياء التي نستطيع فعلها، فهي في نظري أكثر أهمية بكثير.
مورو: ربما كان من الأفضل ألا نعرف، إذا أخذنا في الاعتبار ميل البشر إلى إفساد الأمور باستخدام ما لديهم من معرفة، مهما تكن محدودة.
أتشيبي: أجل، بل إنني لا أرغب حتى في المعرفة. وربما كان من الأفضل ألا نعرف، لأنني أؤمن بأن الالتباس وعدم اليقين موقف أكثر صدقًا من تبني موقف يقول إنه لا يوجد أصلًا ما يدعو إلى القلق.
مورو: يبدو لي أنك تتحدث كأنك بوذي يا تشينوا.
أتشيبي: لعلني كذلك بالفعل!
مورو: حين كنت أعمل على العدد الخاص بالموسيقى من مجلة «كونجونكشنز»، دار كثير من الحديث عن موسيقى العالم، وعن مدى تطور نظم الاتصال في العالم وتعقيدها، وعن بلوغ التواصل بين الثقافات والشعوب درجة متقدمة للغاية، بحيث أصبحت الموسيقى، بوصفها اللغة العالمية، شديدة الترابط بين مختلف أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، صرنا نسمع تأثير الموسيقى المغربية في التأليف الموسيقي لموسيقى الجاز النرويجية، أو تأثير الموسيقى الإندونيسية في الموسيقى الكلاسيكية الأمريكية، أو تأثير المقامات والإيقاعات الهندية في موسيقى البوب البريطانية، وما إلى ذلك. هل تعتقد أن هناك فرصة لظهور شيء مماثل في الأدب، أي أدب عالمي؟
أتشيبي: نعم، ما دمنا لا نتسرع في الوصول إلى ذلك عبر إسكات المظاهر الأقل صخبًا من الأدب. وهذه طريقة أخرى للتعبير عن حقيقة ما أعدّه رسالتي في الحياة: أن يضيف نوع الحكي الذي أقدمه صوته إلى الحكي الإنساني الكوني، قبل أن نستطيع القول: «لقد سمعنا كل شيء الآن». يقلقني أن ينهض شخص ينتمي إلى تقليد أدبي بعينه ويعلن أن الرواية ماتت، وأن القصة ماتت. أرى في ذلك ظلمًا، وهذا أقل ما يمكن قوله. لقد رويتَ حكايتك أنت، ثم أعلنتَ أن الرواية ماتت. حسنًا، أنا لم أروِ حكايتي بعد. لذلك يجب أن نسمع جميع الحكايات.
هذه هي الخطوة الأولى. وحين نسمع جميع الحكايات، سنكتشف في الواقع نقاط الالتقاء والتواصل بينها، وسيتاح للحكاية العالمية، الحكاية الكبرى، أن تنمو وتتطور. وهذا هو التحفظ الوحيد الذي أود التشديد عليه: ألا نتسرع في إعلان ظهور هذا الأدب الدولي، أو هذه الحكاية العالمية الكبرى، اعتمادًا فحسب على معرفتنا بتقليد أدبي واحد أو عدد قليل من التقاليد.
فعلى سبيل المثال، لا توجد في أمريكا معرفة تُذكر بآداب بقية أنحاء العالم. هناك معرفة بأدب أمريكا اللاتينية، نعم، لكن مصادر إلهامه ليست مختلفة إلى حد كبير عن مصادر الأدب الأمريكي أو الأوروبي. ينبغي للمرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك. ولا يتعين عليه حتى أن يذهب بعيدًا من الناحية الجغرافية؛ إذ يكفي أن يتجه إلى السكان الأصليين في أمريكا، ويصغي إلى شعرهم.
مورو: يبدو لي أن جهل الأمريكيين بآداب العالم الأخرى نابع من موقف ذهني معين. وأتساءل إن كان ذلك الموقف الذي أوجد هذا الجهل لا يرتبط، ولو جزئيًا، بالعنصرية، وبإحساس بالتفوق العرقي ترسخ بفعل التنشئة الثقافية. لا يستطيع المرء قراءة مقالتك التي تكشف العنصرية الكامنة في رؤية جوزيف كونراد في «قلب الظلام» من دون أن يصاب بالذهول. فالعنصرية موجودة بوضوح شديد، ومع ذلك لم نرها. كيف نخلق وعيًا بالعناصر العنصرية الموجودة في أعمال كلاسيكية غربية أخرى، إلى جانب أعمال كونراد؟ وكيف نعلّم القراء التعرف على العنصرية في عمل تخييلي، سواء كان رواية أو قصيدة؟
أتشيبي: الأمر صعب، لأن هناك مقاومة قوية لما ينبغي القيام به. ويمكنك أن تفهم سبب هذه المقاومة. فقد نشأ الناس على الإيمان بأشياء معينة، والإعجاب بكتب بعينها. وظلت هذه الأشياء، طوال حياتهم، كما حدث مع آبائهم وأجدادهم، تحظى بمكانة مقدسة لا يجوز المساس بها. لذلك، حين يأتي شخص ويقول لهم إن في هذا الكتاب عنصرية، يكون رد فعلهم: «حسنًا، لو كانت هناك عنصرية في هذا الكتاب، لكان ينبغي أن أراها. لكنني لم أرها، إذن لا يمكن أن تكون موجودة فيه». أو قد يقول: «إذا كانت هناك عنصرية في هذا الكتاب ولم ألحظها، فربما يعني ذلك أنني أنا نفسي عنصري».
إن كثيرين غير مستعدين للتفكير في مثل هذه الاحتمالات، ولذلك يغلقون عقولهم أمامها، وهذا هو ما يجعل المشكلة بالغة الصعوبة. لقد خضت بعض المواجهات المثيرة للاهتمام منذ صدور مقالتي تلك. وينبغي لي، إنصافًا للجميع، أن أقول إن كثيرين جاؤوا إليّ وقالوا: «أعتذر، لم أكن أعرف، لم أرَ ذلك حقًا. شكرًا جزيلًا لك». لكن كانت هناك أيضًا ردود فعل غاضبة، وقال لي بعض الناس: «كيف تجرؤ؟ هذا هراء. هذا كلام متعسف». ومع ذلك، فهي معركة ينبغي خوضها دائمًا، وعلينا أن نواصل التقدم. لا أرى لها نهاية سهلة، لكن الناس يغيرون مواقفهم في أثناء استمرارها. وهذا كل ما يمكن أن نطلبه: أن يأتي بعض القراء إلى هذه الكتب اليوم بوعي مختلف، وأن يحملوا ذلك الوعي معهم إلى أشياء أخرى يشاهدونها أو يقرؤونها.
فكل ما نقوله هو أنه لا ينبغي معاملة أي فرد من أفراد الجنس البشري كما لو كان أقل إنسانية من غيره. فهذا هو الحد الأدنى من الاحترام الإنساني الذي يستحقه كل شخص ويحق له الحصول عليه. قد يكون الناس مختلفين، وقد تبدو هيئاتهم مختلفة، وقد تختلف ثقافاتهم، لكنهم جميعًا بشر. وبمجرد أن تقبل هذه الحقيقة، تكون المعركة قد حُسمت.
ولا أقترح أن تُسحب أي كتب من التداول أو تُحظر. فهذا، في الواقع، لن يكون له أي معنى. ينبغي قراءة هذه الكتب، ولا سيما الكتب الشهيرة منها، لكن على القراء أن يقرؤوها بعيون مفتوحة. وستظهر نتائج ذلك في أمور أخرى أيضًا، في الطريقة التي نتعامل بها مع جيراننا ومع بقية العالم.
مورو: والتجربة التي يخوضها المرء عند قراءة رواية مثل «حفنة من الغبار» لإيفلين وو، حيث يسود النوع نفسه من التفكير الموجود في كتاب كونراد، مع فارق أن القارة المظلمة المأهولة بالمتوحشين هنا هي أمريكا الجنوبية بدلًا من أفريقيا، لا يلزم أن تتغير بالضرورة. بمعنى أنه يمكننا أن نقدّر بناء الرواية ولغتها، بل والقصة نفسها من جوانب كثيرة، مع إدراكنا في الوقت ذاته أن وو كان ينظر إلى العالم من منظور تنطوي عليه نزعة عنصرية إلى حد ما، أشبه بحمى خفيفة. إن وجود أفكار ومشاعر لا نستطيع قبولها في عمل فني قد يساعدنا أيضًا على فهم ثقافة المؤلف نفسه، والعالم الذي نشأ فيه وعاش. وبهذه الطريقة، يمكن أن تتحول الرواية، أو أي عمل فني، إلى وثيقة تاريخية وجمالية تعكس مناخًا ثقافيًا معينًا، مهما كانت المسافة التي تفصل الفنان عن مجتمعه. يظل الأدب حيًا ما دام القارئ واعيًا بعيوبه وإنسانيته، بقدر وعيه بمواطن كماله. لطالما شعرت بأن أفضل القراء هم أولئك الذين يقرؤون الكتاب كما لو أنه يُكتب في اللحظة نفسها، هناك في مخيلتهم. وقد تحدث جويس وفرجينيا وولف وآخرون عن القارئ المثالي، باعتباره شخصًا يستسلم تمامًا للكاتب ويسلم نفسه له. وأعتقد أن المشكلة تبدأ من هنا. أفضل قارئًا أكثر حيوية ونشاطًا؛ ليس بالضرورة قارئًا سلبيًا أو مقاومًا، بل قارئًا يأتي إلى النص بما لديه من مهارات ومعرفة. وهنا تتجلى نقطة اتفاقنا: نعم، ليس ثمة داعٍ لقمع أعمال أي كاتب أو حظرها. لكن على المرء أن يظل يقظًا تمامًا إزاء المستويات الدقيقة للخطاب والبلاغة والجماليات والسياسة والعواطف. عندئذ فقط يصبح الأدب ذا قيمة، ويصبح أداة للتثقيف. ويمكن القول إن الأمر يتعلق، بطريقة ما، بتعلم تقدير اختلاف الآخرين وخصوصيتهم.
أتشيبي: أعتقد أن ما وصفته أنت بالحمى الخفيفة، وهو تعبير أعجبني، تظهر أعراضه في كثير من الأعمال الأدبية، وإن كانت هذه الأعراض شديدة الخفة في بعض الأحيان. والسبب هو أن العقلية التي أنتجت هذه الأعمال لم يبتكرها الفنان من تلقاء نفسه؛ بل إنها شيء موجود في البيئة الثقافية والتعليمية وفي التنشئة التي تلقاها. لذلك، لم يكن أصحاب هذه الأعمال بالضرورة واعين بما يفعلونه، ولم يكونوا بالضرورة يحاولون إيذاء أحد.
مورو: بمعنى أننا حين نقرأ روايات فوكنر، فإننا نتعرف إلى أكسفورد، ميسيسيبي، بوصفها مجتمعًا بأكمله، أكثر مما نتعرف إلى فوكنر نفسه على وجه التحديد.
أتشيبي: بالضبط. كان فوكنر يعكس البيئة التي عمل فيها، ولكن بطريقته الفوكنرية الفريدة.
مورو: إذن، هذا أحد أوجه نفع الأدب: أن يعكس عصره؟
أتشيبي: نعم. لكن الأمر المهم في نهاية المطاف ليس ما اعتقده كونراد أو فوكنر، بل كيف يستطيع قراء اليوم أن يقرؤوا أعمالهما من دون أن يروا أي خطأ في الطريقة التي تتعامل بها شخصياتهما مع العالم، ذلك العالم المعقد الذي يضم أعراقًا وشعوبًا مختلفة. كيف يمكن لعالمنا أن يؤدي وظائفه في ظل وجود هذه النقطة العمياء؟ تلك هي القضية. ولهذا يغضب الناس من إثارة الموضوع. إنهم يشعرون بأنك تكشف أمرًا يسيء إليهم ويهدد صورتهم عن أنفسهم، ولا يريدون مواجهة ذلك. لكن ينبغي لهم أن يكونوا قادرين على العمل والتفاعل بطريقة أكثر إبداعًا ونفعًا، في ظل تعقيدات السنوات الأخيرة من القرن العشرين.
مورو: كيف تبدو العنصرية في نيجيريا؟ وهل يشكل البيض البريطانيون هدفًا للكراهية العنصرية؟
أتشيبي: العنصرية ليست مشكلة في نيجيريا. ولا يخطر ببال النيجيريين أصلًا أن يصفوا أحدًا بأنه غير أسود!
مورو: يبدو لي أن العنصرية لطالما استندت إلى ما هو أبعد من لون البشرة. فالاقتصاد والسياسة والدين كلها عوامل غذّت هذه الظاهرة أيضًا. إن كراهية الطبقات والعنصرية توأمان، أليس كذلك؟ إنهما ملتصقان بعضهما ببعض التصاقًا وثيقًا.
أتشيبي: أعتقد أن الأمر يتعلق بكل ذلك. إنه يتعلق بالاختلاف، وبالسلطة، سواء أكانت عسكرية أم اقتصادية أم غير ذلك؛ فجميع هذه العوامل كانت حاسمة في نهاية المطاف. وفي ظل الوضع الاستعماري، كنا نحن الضحايا في نهاية الأمر. كنا ضحايا.
وإذا كان هناك شعور معادٍ للبيض في نيجيريا، فستجد عادة أنه رد فعل على شيء كان موجودًا من قبل. وهذا ما أطلق عليه جان بول سارتر اسم «العنصرية المضادة للعنصرية». وهذا لا يجعلها أكثر استساغة، لكن ينبغي للمرء أن يعرف من أين جاءت. نحن في بلدي لسنا عنصريين متأصلين. ولا أعرف في الآونة الأخيرة أي حالات يمكن الاستشهاد بها لشخص خرج، على سبيل المثال، وأطلق النار على آخر لمجرد أنه مختلف عنه. وإذا حدثت واقعة من هذا القبيل، فأود أن أسمع عنها. إن العنصرية، بمعنى الكراهية المريرة حقًا لأشخاص ينتمون إلى لون آخر، غير موجودة في نيجيريا.
مورو: ما رأيك في التطورات الجديدة التي تشهدها الأشكال الفنية الأخرى في الثقافة الأمريكية، إلى جانب الأدب؟ أفكر مثلًا في تأثير الأمريكيين السود الشباب في السينما، من خلال مخرجين مثل سبايك لي وجون سينغلتون، مخرج فيلم «أولاد الحي»، وكذلك في تصاعد أهمية موسيقى الراب في هذا البلد؛ وهي موسيقى تعيد السرد والحكايات المرتبطة بالأحياء الفقيرة والعرق، وغالبًا الحكايات العنيفة، إلى الأغاني الشعبية، بعدما كان هناك اتجاه نحو تجريد كلمات أغاني الروك من الحيوية والسرد.
أتشيبي: هذا أمر مثير للاهتمام. ويبدو لي في الواقع أنه امتداد لما كان يحدث منذ البداية. والفرق هو أن الناس أصبحوا الآن مستعدين للاعتراف بمصادر ما يجري. فقد ظل الوجود الأسود في أمريكا يسهم دائمًا إسهامًا ثريًا في الموسيقى والشعر والكلام. لكن لم يكن يُعترف علنًا بأن هذا الإسهام صادر عن القطاع الأسود من السكان.
وبالنظر إلى أنني قادم من أفريقيا، التي تبدو لي بعيدة كل البعد عن أمريكا، فقد استطعت منذ البداية أن أسمع أصداء أفريقية في الموسيقى الأمريكية. فعندما أستمع مثلًا إلى لويس أرمسترونغ، أستطيع أن أسمع أصوات أقنعة التنكر الأفريقية، وأرواح الأسلاف المقنّعة، وهي تتحدث وتغني، من خلال الطريقة التي جعل بها هذه الآلة الموسيقية المنتمية إلى أوروبا الغربية تصدر أصواتها.
مورو: وكيف ذلك؟
أتشيبي: حسنًا، بدت لي تلك الأصوات وكأنها محاولة لنقل أصوات الموسيقى الأفريقية القديمة جدًا إلى شكل جديد وآلة موسيقية جديدة. لا أعرف من أمر الموسيقى ما يكفي لأكون أكثر تحديدًا، لكن هذا هو الانطباع الذي تكوّن لديّ. لقد بدت لي كأنها أصوات الأرواح المقنّعة. ولست متأكدًا من أن لويس أرمسترونغ نفسه، وهو المثال الذي أستشهد به، كان واعيًا بذلك. لقد كان هذا شيء بقي في المجتمع الأسود، وانتقل معه. وسواء أكان أفراده واعين به أم لا، فقد ظل جزءًا من حياتهم.
مورو: حين يؤدي لويس أرمسترونغ، أو أي عازف جاز آخر، مقطعًا منفردًا، فإنه يبتكر نوعًا من الحكاية؛ حكاية تجريدية، مرتجلة، لها موضوع وتطور، يتدرج فيها البناء ربما عبر تصاعد موسيقي وصولًا إلى ذروة، ثم يعود إلى نقطة البداية. ويخطر لي أن موسيقى البلوز في أمريكا حققت أحد أهم إنجازاتها من خلال قدرتها على الجمع بين تجريد الموسيقى والحكاية…
أتشيبي: أي الأحداث…
مورو: نعم، ولهذا أذكر موسيقى الراب. إذ يبدو لي أنه بعد ما سُمّي بالغزو البريطاني في ستينيات القرن العشرين، بدأت كلمات معظم الأغاني تنحدر، وتضاءل ما كانت ترويه من حكايات، بل أصبحت عاطفية مبتذلة ومقولبة ومشدودة إلى قوالب جامدة. أما موسيقى الراب في أفضل نماذجها، فتستعيد الحكايات إلى الموسيقى الشعبية، وهي بهذا المعنى تشبه موسيقى البلوز. وأتساءل إن كان هذا هو ما تسمعه أنت أيضًا في موسيقى الجاز: الحكايات.
أتشيبي: هذا جانب من الإحساس العام الذي أحاول التعبير عنه، وهو إحساس يصعب تحديده تمامًا. إن الفن والمجتمع في أفريقيا مرتبطان بوضوح. فالفن ليس شيئًا جرى تنقيته وصقله إلى درجة أنه كاد يخرج من الحياة الواقعية، ومن حيوية الشارع، كما تميل الفنون الأوروبية والأكاديمية إلى أن تكون. أما في أفريقيا، فهناك ميل إلى إبقاء الفن متصلًا بالناس. ويُشدَّد بوضوح لدى أبناء شعبي، الإيغبو، على أنه ينبغي ألا يُسمح للفن بالهروب إلى أجواء متعالية ومنعزلة، بل يجب أن يظل حاضرًا وفاعلًا في حياة الناس. وينبغي إشراك الناس العاديين، وبذل جهد واعٍ لإدخال حياة القرية إلى هذا الفن.
مورو: وهل تتجلى هذه الفكرة في طقوس الأقنعة التنكرية؟
أتشيبي: نعم. فالشخصيات المقنّعة تمثل الأسلاف، وتجسد الصلة بين الأحياء والموتى. ولذلك، تكون لها خلال طقوس التنكر المقنّع أعلى سلطة، بينما يصبح البشر في مرتبة ثانوية. إنها تتحدث بسلطة الماضي والثقافة والأسلاف وتاريخ الشعب.
مورو: إذن، هناك امتزاج يحدث بين الفن والدين.
أتشيبي: الفن والدين وكل شيء؛ فالحياة برمتها تتجسد في فن الأقنعة التنكرية. إنه فن ديناميكي، ولا يُسمح له بالبقاء ساكنًا. فعلى سبيل المثال، لا تعرف جماعة الإيغبو المتاحف. بل إنهم لا يفكرون أصلًا في وجود شيء يشبه القانون الفني الثابت الذي يقول: «هكذا ينبغي أن يُصنع هذا التمثال، وحين يُصنع يجب أن يُبجّل ويُقدّس». لا، إن أبناء الإيغبو يريدون إعادة صنع هذه الأشياء مرة بعد مرة، بحيث تتاح لكل جيل فرصة تقديم نموذجه الخاص من الفن.
ولهذا لا يُبدون احترامًا مفرطًا لما أنجزه الجيل السابق؛ لأن الإفراط في ذلك يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى أن أفعل أنا أي شيء، ما دام كل شيء قد أُنجز بالفعل. تقول ثقافة الإيغبو إنه لا حال يدوم إلى الأبد، وينبغي لك أن تواصل العمل. وحتى أولئك الذين لم يتلقوا تدريبًا فنيًا يُدعون إلى المشاركة في هذه الاحتفالات الفنية التي تُصوَّر فيها الحياة الكاملة للعالم.
ما أحاول قوله هو أن هناك حاجة إلى إعادة الحياة إلى الفن، وذلك بإدخال الفن إلى الحياة، حتى يمتزج الاثنان. وموسيقى الراب تفعل ذلك تحديدًا. قد يقول أصحاب النزعة التنقية إن الراب فن رديء، وإنه مباشر أكثر مما ينبغي، لكن أفضل نماذجه ستبرز في نهاية المطاف بوصفها أعمالًا ذات أهمية حقيقية.
ويمكنك أن ترى الأمر نفسه في رواية أموس توتولا «شارب نبيذ النخيل». فلا توجد فيها محاولة لرسم خط فاصل بين ما يجوز وما لا يجوز، وما هو ممكن وما هو مستحيل، وما هو جديد وما هو قديم. ففي حكاية تجري أحداثها في ماضٍ سحيق، تفاجأ فجأة بظهور هاتف أو سيارة أو أسقف، وبأشياء أخرى شتى لا يبدو أن بينها أي ترابط. لكن ما تراه في الواقع هو حياة المجتمع بأكملها، لا مجتمع البشر وحدهم، بل مجتمع الأسلاف وعالم الحيوان والأشجار، وما إلى ذلك؛ فكل شيء يؤدي دورًا فيه.
مورو: إذن، الفنان المنتمي إلى شعب الإيغبو هو الفنان المثالي في نظرك؟
أتشيبي: أعتقد ذلك، نعم. ليست هذه الطريقة الوحيدة للنظر إلى الفن، لكنها طريقة مهمة وإيجابية.
مورو: يذكرني هذا بمفهوم «المتحف بلا جدران»، حيث يكون الفن جزءًا من طبيعة كل شيء في العالم ونسيجه. لكن الأمر لدى الإيغبو مختلف، إذ لا حاجة إلى بيان ثوري يقتحم جدران المتحف، لأنه لا توجد جدران من الأساس. وماذا عن هؤلاء المخرجين السينمائيين الجدد؟
أتشيبي: إنهم يضخون جرعة مرحبًا بها من الحيوية في شكل فني قوي، لكنه يواجه خطر التحول إلى فن نمطي ومسطح ومتكرر وميت، ومنفصل عن احتياجات المجتمع. وحين تتحدث عن الفن في سياق احتياجات المجتمع، ينكمش بعض الناس، ظنًا منهم أنك تدخل عنصرًا مبتذلًا أكثر مما ينبغي في نقاش يتعلق بالفن. ويقولون إن الفن لا ينبغي أن يهتم بالغرض أو المنطق أو الحاجة، وإن هذه الأمور لا تليق به. لكن إذا عدنا إلى فجر البشرية، فسنجد أن الإنسان لم يكن يصنع الفن بغرض الهروب من ذاته، بل لكي يجعل رحلته عبر الحياة أيسر.
مورو: أيسر بأي معنى؟
أتشيبي: هناك اختناقات في الحياة، ومواقف مستحيلة، وأشياء لا يمكن تفسيرها، وإذا أطلت التفكير فيها أصابك الاكتئاب. هناك أمور لا تستطيع جعلها تحدث، وهناك عبثية الموت وما إلى ذلك. كيف تتعامل مع كل هذه الأشياء، ثم تواصل حياتك؟ كانت الطريقة التي حاول الإنسان بها التعامل مع ذلك هي الإبداع؛ أن يبتكر القصص والرؤى حتى يتمكن من مواجهة المشكلات الصعبة المستعصية على الحل.
مورو: لدي سؤالان. الأول: لماذا ينبغي لنا أن نثق برؤية الفنان للواقع، وللخير والشر، وللكيفية التي ينبغي أن تعمل بها المجتمعات، أكثر مما نثق برؤية أي فرد آخر في المجتمع؟
أتشيبي: المسألة لا تتعلق بالثقة. الفنان يقدم رؤيته الخاصة، وليس لديه أي سلطة لفرضها. إنه يعرضها، ويترك للمجتمع أن يستخدمها أو لا يستخدمها. الفنان ليس إمبراطورًا، وليست لديه قوة شرطة أو سجون.
مورو: أما سؤالي الثاني فهو: هل توجد لحظة في حياة الرجل أو المرأة يصبح فيها الفن غير ضروري، حين تختفي اختناقات الحياة بما يكفي حتى يصبح الفن عديم الفائدة؟
أتشيبي: لا أعتقد ذلك. الفن أشبه بمقبض ثانٍ نمسك به الواقع، واقع حياتنا والعالم. إنه بديل يقدمه لنا الفن. فهو لا يلغي الحياة ولا يمحوها، بل يمنحنا إمكانية النظر إليها من زاوية أخرى، بل وحتى الهروب منها أحيانًا. لذلك، إذا أردنا أن تكون الحياة ذات معنى، فلا أرى أن هناك نقطة ستصبح فيها الحياة أبسط. يمكننا أن نحلم بقدوم فترة كهذه، لكنني أشك في أنها ستأتي. إن قدرنا هو أن نتصارع مع المشكلات الصعبة؛ فالصراع هو جوهر الحياة نفسها. ولهذا فإن الحاجة إلى بديل، إلى شيء يمكن استخدامه بوصفه خلفية نرى الحياة على ضوئها، ستظل ضرورة دائمة لحياة جديرة بأن تُعاش.
مورو: يثير فضولي ذلك الإقبال الكبير والمستمر على رواية «الأشياء تتداعى»، بالنظر إلى مدى قتامة هذا الكتاب في نهاية المطاف. فهناك جانب قاتم في رؤيته يبدو لي أنه لا يحظى بالتعليق والاهتمام اللذين يستحقهما. والأمر نفسه ينطبق على رواياتك الأخرى. كيف توفق بين استجابة جمهورك إلى رواياتك باعتبارها أعمالًا ملهمة، وبين قتامة الرؤية التي تقوم عليها؟
أتشيبي: حسنًا، يمكن تفسير شعبية «الأشياء تتداعى» في مجتمعي تفسيرًا بسيطًا، وهو أن أبناء شعبي يرون أنفسهم في هذه الحكاية، ربما للمرة الأولى في حياتهم. فقد كان الآخرون هم من يروون حكاية موقعنا في العالم. لكن تلك الحكاية، بطريقة ما، لم تكن تشبه صورتنا عن أنفسنا كما نراها من موقعنا. لذلك كانت هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها أنفسنا أفرادًا مستقلين ومكتملين، لا أنصاف بشر، أو كما يقول كونراد، «أرواحًا بدائية».
لسنا أرواحًا بدائية على الإطلاق؛ نحن أرواح بشرية مكتملة. لكننا نعيش في المتاعب، في قلب المتاعب. لا شك في ذلك. فالحياة مليئة بالمشكلات. نحن لا نعيش في عالم نتزوج فيه ونعيش في سعادة وهناء إلى الأبد؛ فهذا لا يحدث إلا في الحكايات الخرافية. أما الجانب المظلم فهو حقيقي. وأي تجربة نمر بها في العالم تؤكد وجود هذا الجانب المظلم. فالمرارة موجودة هناك. ومهما يكن المرء محظوظًا، فسوف يواجه في مرحلة ما من حياته هذا الجانب منها.
وهذا هو الجانب الذي لم ينجح الفلاسفة والمفكرون الدينيون في تفسيره. لماذا يعاني الصالحون؟ ولماذا تفشل القضايا النبيلة؟ وإذا كان هناك نظام ونمط يحكمان العالم، فلماذا لا ينتصر الخير ويفشل الشر؟ لكن الأمور لا تسير على هذا النحو. إنها أحجية، لكنها حقيقة قائمة. وأعتقد أن هذا هو السبب.
مورو: أظن أن هذه لحظة مناسبة لأسألك عن حالك بعد حادث السيارة الذي تعرضت له. هل غيّر الحادث نظرتك إلى الحياة بأي شكل؟ كيف حالك الآن؟ وما خططك للمستقبل، سواء بوصفك كاتبًا أو بوصفك إنسانًا؟
أتشيبي: في الواقع، بدا الأمر كما لو أن كل ما فعلته في حياتي كان بمثابة إعداد لذلك الحادث. لم يسبق لي أن شككت في وجود هذا الجانب المظلم من الحياة، لكن الأمر كان أشبه بمسألة نظرية، شيء أُخبرت به فحسب. كنت أعرفه من خلال ما يُروى عنه ومن خلال الأحاديث المتداولة. لكنني لم أكن قد اختبرت الجانب القاسي من الحياة بنفسي. مررت بخيبات أمل صغيرة في الطريق، لكن هذا الحادث كان التجربة الحقيقية؛ كان الانكسار الكبير في حياتي.
لقد كان الحادث خطيرًا للغاية، وكنت على وشك الموت. كان الأمر يتأرجح بين الحياة والموت. وفي النهاية أُصبت بالشلل في ساقيّ. سألني بعض الأشخاص في المستشفى: «لماذا يحدث شيء كهذا لك؟» فأجبت: «ولماذا لا يحدث؟». هل ارتكب أولئك الذين تصيبهم مثل هذه الأمور جريمة ما بالضرورة؟ ليس بالضرورة. هكذا كانت تجربتنا مع العالم منذ البداية.
لذلك، حين يسألني أصدقائي: لماذا يعاني الصالحون؟، وكأنهم يصورونني واحدًا من هؤلاء الصالحين، لا أستطيع إلا أن أقول إن هذا سؤال لم يُجب عنه أحد قط. يولد أطفال وهم مصابون بتشوهات خلقية. ما الجريمة التي ارتكبوها؟ لقد كنت محظوظًا للغاية؛ فقد مشيت على قدميّ ستين عامًا. فما أهمية أنني لم أعد قادرًا على المشي خلال السنوات القليلة الأخيرة من حياتي؟ هناك أناس لم يمشوا على الإطلاق. تلك طريقة من طرائق النظر إلى الأمر.
لكن حين تبدأ في مواجهة المشكلات الجسدية المترتبة على العجز عن النهوض والحركة، وما يصاحب ذلك من أمور كثيرة أخرى، وحين تضطر إلى إعادة اكتشاف جسدك وتعلم كيفية التعامل معه من جديد، فإن الأمر يختلف اختلافًا هائلًا عما عرفته في حياتي السابقة. وما زلت أحاول التعامل مع ذلك.
مورو: أظن أن في الأمر فرصة، بطريقة ما..
أتشيبي: إنها فرصة بالفعل، إنها درس. إنها أشياء كثيرة، إنها تجربة تثري الإنسان. لقد تعلمت الكثير. تعلمت مدى اعتمادنا بعضنا على بعض. زوجتي، وهي امرأة لها مهنتها ومكانتها الخاصة، وتواصل حياتها بوصفها أكاديمية، استُدعيت إلى المستشفى، وفي تلك اللحظة تخلت ببساطة عن حياتها الخاصة وجاءت إليّ في إنجلترا، وظلت إلى جانبي منذ ذلك الحين. إنها تضحية هائلة. وأحيانًا أتساءل: لو حدث العكس، فهل كنت سأتمكن من فعل الشيء نفسه؟
وهكذا يتعلم المرء من معاناته، ويصبح أكثر ثراءً. لقد اختبرت حسن نية العالم بطريقة لم أختبرها من قبل. كان العالم كله حاضرًا عند سريري: الرسائل والزهور. لقد أضاف هذا الحادث بُعدًا جديدًا إلى كل ما كنت أعرفه من قبل.
أما السؤال الآخر، فهو مقدار العمل الذي يمكنني إنجازه في ظل هذه الظروف. ثمة مشكلة تتمثل في أنني لم أعد قادرًا جسديًا على العمل لساعات طويلة كما كنت أفعل سابقًا. وأصبحت مضطرًا إلى الاستلقاء وأخذ فترات راحة، وهي أمور لم تكن جزءًا من حياتي من قبل. وهذا أيضًا شيء أتعلم القيام به الآن. ينبغي لي أن أستخدم ما تبقى لي من حياة في غرض نافع.
مورو: أفهم أنك تنوي كتابة مذكراتك. هل لديك كتب أخرى تفكر فيها أيضًا؟
أتشيبي: لطالما كان لديّ عدد من المشروعات التي أفكر فيها. كان من المفترض أن أكون قد بدأت العمل على رواية بحلول الآن. أما فكرة كتابة المذكرات، فقد كانت حاضرة دائمًا، لكنها أصبحت أكثر إلحاحًا بعد هذه التجربة، التي يدرك المرء من خلالها مدى هشاشة الحياة. وبالطبع، ما دام الإنسان على قيد الحياة، فثمة عمل ينبغي إنجازه.
مورو: ما فكرة الرواية؟
أتشيبي: تقوم على واقعة حدثت في قريتي عند مطلع القرن العشرين، حين اتخذت النساء موقفًا في المجال السياسي. وهذا أمر لم يكن يحدث عادة. تخبرنا أساطيرنا عن أزمنة يعجز فيها الرجال عن أداء دورهم، فتتولى النساء زمام السلطة، وينجحن في إخراج العالم من أزمته وفترته العصيبة.
وهناك إشارات في الأساطير والأمثال إلى قوة النساء. ومن الأسماء الشائعة بين أبناء الإيغبو عبارة «الأم أعظم»؛ «نني كا». لكن لا يوجد اسم شائع يعني «الأب أعظم». أما «الله أعظم»، أو «تشوكو كا»، فهو اسم شائع آخر. وهكذا ترى بوضوح المكانة التي تحتلها الأم. يمكنك أن تتحدث عن الأم والله في نفس واحد.
أما الحكاية التي أريد أن أعتمد عليها في الرواية فهي حكاية آسرة. فقد وقعت في بداية الحقبة الاستعمارية، ولم تكن النساء قد شاركن كثيرًا في السياسة مع البريطانيين حتى ذلك الوقت. لكن النساء لعبن خلال السنوات الخمسين التالية أدوارًا حاسمة. وأنا أرى في تلك الواقعة الأولى، التي وقفت فيها نساء الإيغبو صفًا واحدًا في مواجهة البريطانيين، ما يشبه بروفة كاملة للأدوار المهمة التي سيلعبنها لاحقًا في نيجيريا خلال القرن العشرين.
مورو: هل بدأت كتابتها؟ يبدو من حديثك أنك قطعت شوطًا طويلًا فيها بالفعل.
أتشيبي: لا، فهذه هي طريقتي في العمل. تنمو بذرة الحكاية في ذهني على مدى سنوات، إلى أن أبدأ الكتابة.
مورو: متى خطرت لك فكرة أن تصبح روائيًا؟
أتشيبي: لم أفكر في أن أصبح كاتبًا لفترة طويلة، لأنني لم أنشأ في مجتمع كان فيه كتّاب. لكنني عشت في مجتمع كانت فيه الحكايات موجودة. بدأت أقرأ الروايات الأوروبية، وكانت الروايات التي أقلقتني هي تلك التي يُفترض أنها تتحدث عنا، عن أفريقيا. ويتساءل الناس لماذا أعود مرارًا إلى كونراد. كانت كتبه من بين الكتب المتاحة لي، وكانت الحكايات التي يرويها عن الأوروبيين وهم يتجولون بين المتوحشين تثير انزعاجي.
في البداية، لم يكن واضحًا لي أنني واحد من أولئك المتوحشين الذين يتحدث عنهم، لكن الأمر أصبح واضحًا لي في نهاية المطاف.
مورو: إذن، ما تقوله هو أن دافعك لم يكن الرغبة في محاكاة روائي بعينه بقدر ما كان الحاجة إلى الرد، بطريقة ما، وتصحيح الصور التي رسمها الروائيون الأوروبيون لأفريقيا.
أتشيبي: لقد كان هدفي معارضة الخطاب الذي تتبناه تلك الروايات. كان ذلك واجبًا أخلاقيًا. وحين كنت أقرأ جملة جيدة أو أرى عبارة جميلة، كنت بالطبع أرغب في تقليدها. لكن الحكاية نفسها لم تكن هناك نماذج أحتذي بها. فحتى حين لم تكن تلك الروايات تقول شيئًا عدائيًا تجاهنا، لم تكن تهتم بنا أصلًا.
قرأت ديكنز، وجميع الكتب التي كان يقرأها طلاب المدارس الحكومية الإنجليزية. لكن تلك كانت روايات وقصائد عن الثلوج وأزهار النرجس وأشياء لا أعرف عنها شيئًا. لذلك كان نوع الإلهام الذي دفعني إلى الكتابة إلهامًا خاصًا جدًا.
مورو: كيف تنظر إلى أعمالك حين تتأملها بوصفها كلًا متكاملًا؟
أتشيبي: حسنًا، إنها محاولة لرواية حكايتي الخاصة. وأنا راضٍ عن أنني تمكنت، على الأقل، من اختراق الحاجز، وأن أكون رائدًا وأضع بداية لهذا العمل. لكن الإنجاز الفعلي لا يبلغ أبدًا مستوى الفكرة التي سبقته. وهذا أمر لا بد للمرء من التعايش معه. وأنا واثق من أن هذا ينطبق على كل فنان.
لدى شعب الإيغبو مثلٌ يوضح الفرق بين الرؤية والإنجاز، ويقول إن الإنجاز لا يرقى أبدًا إلى مستوى الرؤية. فما تراه العين لا يستطيع الحجر الذي تقذفه اليد أن يبلغه؛ إذ يسقط الحجر دائمًا قبل الوصول إلى الهدف. وقد تعلمت التعايش مع ذلك، ولم أعد أضخم الأمر كثيرًا.
إن لغة الحلم تتفوق دائمًا على اللغة التي نستخدمها بعد الاستيقاظ، حين نحاول استعادة الحلم واستحضاره من جديد. ولا ينبغي للمرء أن يهدر حياته في التحسر على ذلك. عليه أن يكون ممتنًا لما حققه، وأن يحاول دائمًا أن يقدم ما هو أفضل، أو على الأقل ألا يركن إلى ما أنجزه ويتوقف عن المحاولة.
مورو: حسنًا، أتمنى أن تطول أحلامك، وأن تروي لنا مزيدًا من الحكايات، يا تشينوا.