الشاعر الفرنسي المعروف بانتمائه للحركة السريالية في بداية تأسيسها. في الثانية والعشرين من عمره تزوج هيلينا دميتيفنا دياكانوفا، تلك الساحرة ذات الاسم الصعب ذاك. إيلوار الشاعر الرقيق ورفاقه لم يفضلوا الأسماء الصعبة التي لم يختاروها. فإيلوار ليس اسمه الأصلي، اسمه يوجين إيميلي بول جريندل وكان يكتب أيضًا باسمين مستعارين: جين دو هولت وموريس هرفانت. سمَّى نفسه بول إيلوار ومليكته أسماها جالا. وتزوجها.
تجويف جسدكِ يقطفُ الانهيارات لأنكِ تشربين من الشمس
تكسرين النغمةَ الأولى
وتُعيدينها للعالم
تغمُرين الإنسان
ضاحكةً على الدوام
في عام 1921، بعد ما يقارب الأربع سنين من زواجه لمليكته جالا. في هذه الفترة الباريسية شديدة الحساسية فنيًا، فترة ما بعد الحرب، غضب وشهوة الشعراء الشباب الذين تلقوا صفعات الحروب. في فترة اجتياح الدادئية وتمخُّض السريالية؛ أتى بطريقة غير شرعية، من أقصى ألمانيا ماكس إرنست يسعى. عاش إرنست مع إيلوار وجالا. إيلوار أحب الرسم مع الشعر، ومثلما شارك بريتون في كتابة قصائد فقد شارك إرنست في تركيب الكولاج. الشاعر الباريسي الرقيق وجالا الروسية الفاتنة بنُضج وإرنست الفنان الألماني الثوري في ضاحية باريسية. عاشوا بطريقة يعبر عنها المصطلح الفرنسي (menage a trois)، الذي يعني رفقة ثلاثية. في الغالب تكون بوجود اتصال جنسي. وبدأت علاقة سرية خفيفة بين إرنست وجالا.
في عام 1924 حدث ما حدث بين إرنست وجالا، فغضب إيلوار وحدثت مشاجرة بينهما. لم يكن إرنست هو الأخير، إيلوار كان مخلصًا لها، كان يعشقها. هذا هو الظاهر في الرسائل المتبادلة بينهما والتي ترجم بعض الأجزاء منها عصام محفوظ في كتابه “بول إيلوار: قصائد حب يليها رسائل إلى غالا” – والذي يدين له المقال بالفضل -. نراه يترجاها ويكتب لها: “يا صغيرتي جالا أحبك بلا حد. لا أؤمن بالحياة، لا لا أؤمن إلا بك. هذا العالم الذي هو عالمي والممزوج بالموت لا أستطيع أن أدخله إلا برفقتك. أن لا أكون إلا بين يديك، بين عينيك، بين نهديك، بين ساقيك، أنا مدعو حيث لا أرتوي أبدًا.” يرسل لها من ميونيخ ومن أولشتادت، من ستراسبور يقول: “أنا لا أنساك لحظة واحدة”. ومرة يكتب لها: “أنتِ الينبوع العجائبي لخيالي وحريتي، إنني أعبدك”.
لكن جالا كانت امرأة مراوغة، كانت تحب إيلوار وتعشقه، لكن خيالاتها أكبر، ويفتنها هؤلاء الفنانون، تريد أن تكون وحيًا لهم، أن تكون تجليّ الله لهم، تعرضُ لهم جسدها ليكتشفوا بها أصول الجمال. تلك التي وصفها بريتون في إهداء كتابه المشترك مع إيلوار “الحبل بلا دنس” بأنها “المرأة الخالدة”.
في عام 1924 أصدر ديوان العاشقة المحظيَّة (L’Amoureuse)، قصائد حب ملائكية إلى جالا، ومنه القصيدة المعنونة بالاسم نفسه، بترجمة الحسناء جمانة حداد:
واقفة على أهدابي
شعرها يتخلل شعري،
لها شكل يديّ،
ولون عينيّ،
في ظلي تتلاشى
كما يتلاشى حجرٌ في السماء
بعيونها التي لا تغمض
تمنع عينيّ النوم.
بأحلامها الرافلة في فيضٍ من الضياء
تجعل الشموس تتلاشى،
تجعلني أضحك، أبكي، ثم أضحك،
أتكلم دون أن يكون هناك شيءٌ يُقال.
بعد حادثة إرنست وسفر إيلوار في رحلته الغريبة التي زار فيها أماكن كثيرة في المحيط الهادئ، في 15 مايو 1924 أبحر من ميناء مرسيليا إلى فانتازياه الخاصة، بدون أن يعلم أي أحد. وبعد عودته يحدث أن يتعلق الشاعر كريفيل بجالا، ويمر الأمر، إيلوار يعشق مليكته، وهي تستمر في مغامراتها. وينتهي الأمر بأن تقع جالا تحت تأثير الفنان المعروف سلفادور دالي. الذي يقول رفيقه لوي بونويل أن دالي كان بِكرًا وقتها، وأن جالا كانت بمثابة الأنموذج الأنثوي المثالي الذي هبَّ فجأةً واستحوذ عليه فاستحوذ عليها فتزوجها وصورها في كثير من أعماله حتى بعدما كبرت في السن. وأعلن إيلوار أنه يحب امرأة جديدة اسمها “نوش”. وهي ساحرة أخرى تزوجها إيلوار، وأصبحت نموذجه الأنثوي الجديد الذي يعيش فيه وبه.
إيلوار ليس مثل الشعراء الشباب الذين انجذبوا نحو السريالية، ليس كشاب في الثامنة عشر يطلع أندريه بريتون على أولى قصائده. إيلوار عاد إلى باريس بعد ثلاث سنين في الحرب. الجملة تبدو بسيطة، لكن من المؤكد أن وعي إيلوار خلال تلك الفترة كان مضطربًا، إن لم يكن هذا الحدث (الضخم) قد خلق الشاعر العظيم بداخله فهو على الأقل من أهم أسباب تكوين وعيه – الشعريّ بامتياز -. إيلوار رقيق، قلبه كريشة، أذناه لا تتحمل ضجيج السلاح، فمه لا يفيض بتفاهات تبرير قتل الأرواح. مثلما يقول آرثر ريمبو حسبما أتذكر: “مصيبتي في هذه الدنيا أني كنت حساسًا”. لا أستطيع تخيل أن يدخل ريمبو حربًا، ريمبو لم يتحمل عائلته وأصدقائه حتى. بعد الحرب ومنه تمخضت فكرة من أهم الأفكار التي عبر عنها إيلوار، وهي الحرية المقرونة بالسلام أو السلام المقرون بالحرية. واشتهرت قصيدته المسماة “الحرية” شهرة بالغة في داخل وخارج فرنسا، كانت نشيد الأمل.
ترك لنا إيلوار، نحن المغتصبون لتلك الخصوصيات، بحجة الجمال: 272 رسالة إلى مليكته و15 رسالة منها (البقية تعرضت للحرق). التفاتة بسيطة لهذه الرسائل تجعلنا ندرك تفاني إيلوار في حبه لمليكته، لم يكن يرى غيرها، فهي التي يعبدها، جالا، تلك الروسية الحسناء هي “التي أمليت عليه كل قصائده”. كتب لها مرة في رسالة:
أيتها المرأة التي عشتُ معها
أيتها المرأة التي سأعيش معها
أيتها المرأة نفسها
يلزمك معطف أحمر
وكلسات سوداء
وإثباتات
لرؤيتك عارية
العُري النقيّ يا لزينة المظهر
صدرك آه يا قلبي.
هي “محبوبته الصغيرة الحُلوة العزيزة جالا”. وكانت هي أيضًا عاشقة، عاشقة بامتياز. ورقيقة. كتبت له مرة:
“يا صغيري بول أوجين.. لا أستطيع أن أكون وحيدة. أخاف. تهاجمني أفكار مجنونة، لست مرتاحة. أبكي كثيرًا. أستطيع أي شيء لأجلك، وسأعمل أي شيء. كن مثلي. دللني. اشفق عليّ، لستُ أملكُ شيئًا، لا كبرياء ولا طموح، إنني عارية وضعيفة أمامك.”




