قصة «سارزان» للسنغالي بيراجو ديوب

تُعد قصة «سارزان» (Sarzan) واحدة من أشهر روائع القصة القصيرة في الأدب الأفريقي المكتوب بالفرنسية، وهي للأديب والشاعر السنغالي بيراجو ديوب (1906–1989)، أحد رواد حركة «الزنوجة» (Négritude). نُشرت القصة في مجموعته الشهيرة «حكايات أمادو كومبا» (Les Contes d’Amadou Koumba) عام 1947، وكان الدكتور علي شلش من أوائل من قدموها للقارئ العربي ضمن مختاراته التأسيسية من الأدب الأفريقي.

أصل العنوان والبطل كلمة «سارزان» هي تحريف صوتي في اللهجة المحلية لمنطقة السودان الغربي (مالي والسنغال حالياً) للكلمة الفرنسية «Sergent» (رقيب / شاويش). بطل القصة هو «تييموكو كيتا»، جندي من قرية «دوغوبو» تجنّد في الجيش الاستعماري الفرنسي، وخاض الحروب في أصقاع شتى مثل المغرب وفرنسا وسوريا، حتى نال رتبة «رقيب»، ثم سُرّح من الخدمة وعاد إلى قريته بعد غياب دام خمسة عشر عاماً.

حبكة القصة والصراع الحضاري يعود الرقيب «كيتا» إلى قريته محمّلاً بأفكار الرجل الأبيض؛ فقد أوصاه الحاكم الفرنسي قبل رحيله بأن يكون «رسولاً للحضارة والمدنية» بين قومه. وما إن يستقر في القرية حتى يبدأ صداماً عنيفاً مع الموروث الروحي لأهله:

  • رفض التقاليد: يسخر كيتا من المعتقدات القبلية، ويصف طقوس تقديم القرابين لأرواح الأسلاف والأجداد بأنها «خرافات وهمجية» يجب القضاء عليها لبناء مجتمع متحضر على النمط الأوروبي.

  • التدنيس والتمرد: يتجاوز كيتا حدود النصح إلى الفعل؛ فيمنع الأطفال من الخضوع لطقوس العبور، ويهين «الغابة المقدسة»، ويقتحم «بيت الأرواح» محطماً التماثيل والرموز الطوطمية والأقنعة المقدسة، متجاهلاً تحذيرات حكماء القرية وكهنتها من غضب الأسلاف.

ذُروة التحول («أنفاس الأسلاف») عندما يبلغ تمرده ذروته باعتدائه المباشر على مقدسات الأجداد، تحلّ عليه «لعنة الأسلاف» أو غضب الأرواح الكامنة في الأرض. لا يموت كيتا جسدياً، بل يُصاب بمسٍّ أو جنون صوفي يسلبه عقله الغربي الدخيل ويعيده قسراً إلى جذوره في صورة تراجيدية؛ إذ يخلع ملابسه العسكرية، ويهيم في الطرقات والحقول ليلاً ونهاراً، وقد أصبح يُلقب بـ «سارزان المجنون».

النشيد الفلسفيّ الخالد يتحول «سارزان» من مبشر بالمدنية الأوروبية إلى عرّاف مجذوب يردد طوال الوقت أناشيد شعرية مهيبة صارت من أشهر نصوص حركة «الزنوجة» في الأدب الأفريقي (وهي الأبيات التي تُعرف أيضاً بقصيدة «أنفاس» Souffles)، ومطلعها:

«استمعوا إلى الأشياء أكثر مما تستمعون إلى الكائنات..

فصوت النار يُسمع،

وصوت الماء يُسمع، وفي الريح تنشج الأدغال.. إنها أنفاس الأسلاف.

إن الذين ماتوا لم يرحلوا أبداً؛

إنهم في الظل حين يشفّ، وفي الظل حين يتكاثف،

الموتى ليسوا تحت التراب؛

إنهم في الشجرة التي. ترتجف، وفي الغابة التي تئن،

وفي الماء الذي يجري، وفي الماء الذي ينام،

وفي الكوخ، وفي الحشد.. الموتى لم يموتوا».

تُجسد قصة «سارزان» مأساة «الاغتراب الثقافي» التي أصابت النخب والجنود الأفارقة الذين تشربوا ثقافة المستعمر الفرنسي حيث يصور ديوب كيف أن محاولة اقتلاع الإنسان الأفريقي من جذوره الميتافيزيقية وروابطه بأرضه وأسلافه بإحلال قشرة زائفة من الحداثة الاستعمارية لا تقود إلى التنوير، بل تنتهي بانشطار الذات والجنون، لأن روح الأرض والأسلاف تظلّ أعمق وأبقى من قشور التمدّن الوافد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *