تفاصيل الحياة اليومية كانت دومًا مُلهمة للفنانين. الأمر المميز هو الحركة المستمرة للشارع: أناسٌ يندفعون نحو قطار، شرطي المرور يحاول تنظيم الحركة، أطفال يلهون في الشارع، رجل عجوز مُقوس الظهر يمشي ببطء. عندما يتحرك كل هؤلاء، كل منهم يتحرك نحو فعلٍ ما، لا يهتم بالآخر، يظهر هذا التناغم الغريب بينهم، هذا التناغم الذي دومًا ما رأته عين الشعراء، حيث يقف الشاعر مشدوهًا، وهو لا يملك أي مشاغل مثل هؤلاء، لا يتحرك مثلهم، بل يلاحظ حركتهم. هو الوحيد خارج الدائرة، هذا الذي لا يملك شيئًا في الدنيا.
سيمفونية المدينة (City Symphony)، بالطبع ليس نوعًا روائيًا من الأفلام، لكنه يحوي أحداثًا كثيرة والكثير من الأشخاص والكثير من الحركة، تلك الموجودة في الأفلام الروائية، لكن بلا أبطال أو حبكة أو تتابع أحداث. يعتبر آخرون تلك الأفلام تسجيلية، باعتبارها تقوم بتوثيق أحداث مدينة في أوقات معينة، بدون رواية أية قصة، لكنها مختلفة عن الأفلام التسجيلية، فهي لا توثق لغرض معين، لا تظهر أية حقائق أو أحداث تاريخية أو قضايا اجتماعية. وليس الغرض من الفيلم التوثيق، بل إظهار جمال التناغم الحادث. مثلما اعتبر المخرج التسجيلي الاسكتلندي جون جريرسون John Grierson في كتابه First Principles of Documentary أن فيلم Berlin, The Symphony of a Great City لا يظهر أي من عناصر الفيلم التسجيلي. ويصنفها البعض بتصنيف أكثر عموميةً، بأنها طليعية أو تجريبية (Avant-garde, experimental) أو خالصة (Pure, Abstract). ويعتبر آخرون “سيمفونية المدينة” نوعًا سينمائيًا منفردًا بذاته، لكنه تصنيف غير معروف، ربما بسبب قلة عدد الأفلام الداخلة في التصنيف، لكنه الأقرب للدقة لتحديد هذا النوع المُنفرد بعناصره، حتى لو كانت أعماله المعروفة لا تصل عشرة أعمال.
بالتغاضي عن فيلم Avenue de l’Opera الصادر عام 1900 والمكون من دقيقة واحدة، وبعض الأفلام القصيرة مثله التي ظهرت في تلك الفترة من السينما التي كانت تجريبية بالكامل، فأول فيلم في هذا النوع، هو Manhatta الذي تم إنتاجه عام 1921، الذي يصور نيو يورك في بداية القرن العشرين، في 65 لقطة متتابعة. في ست دقائق، يتابع المخرجان تفاصيل يوم عادي في المدينة، يبدأ من الفجر وينتهي بمشهد لغروب الشمس من ناطحة سحاب. قام بإخراج الفيلم الرسام والمصور الأمريكي تشارلز شيلير والمصور بول ستراند. قام المخرجان بتحديد أُطر هذا النوع من الأفلام وإخراجه كنوع منفرد. ويظهر في الفيلم اقتباسات من شعر والت ويتمان عن المدينة. وفي الواقع فاسم الفيلم مأخوذ بنفس الهجاء من قصيدة ويتمان. لكن البعض ينتقد اعتبار هذا الفيلم أول فيلم كامل العناصر من هذا النوع، فهو ليس سيمفونية مستمرة لحياة المدينة (مع أنه تصويره في بَكَرة واحدة ويصور حياة يوم واحد)، مثلما انتقدوا فيلم Rien que les heures لألبرتو كافالكانتي الذي تم إنتاجه بعد خمس سنين من السابق، فهو يصور الحياة في باريس، لكنه ليس سيمفونية كاملة مستمرة.
أما الفيلم الذي اتفق عليه الكثيرون فهو الذي جاء بعد سنة من إصدار الأخير، فيلم Berlin, The Symphony of a Great City لروتمان، حيث وضع فيه كاميرات غير مرئية للعيان وقام بتصوير سيمفونية برلين، وفيه تظهر مشاهد أكثر إثارة للاهتمام من السوابق، مثل مشهد انتحار امرأة. ويظهر فيه استخدام المونتاج ببراعة – باعتبار وقت الإنتاج -، فقد كان متأثرًا بالسوفييت أساتذة المونتاج في ذلك الوقت، وبحركة kino-oki السوفييتية والتي تعني “عيون السينما” وأستاذها فيرتوف صاحب السيمفونية الأشهر The Man With A Movie Camera. والتي أتت في عام 1929، وهي أكثر السيمفونيات جمالاً وشهرةً بل نلاحظ البراعة المبتكرة في استخدام المونتاج، فهي لا تصور يومًا واحدًا في الحياة السوفيتية وليست مدينة واحدة، بل هي أحداث متعددة لأيام مختلفة في موسكو وكييف ومدن سوفييتية أخرى. قام فيرتوف بمخاطرات نوعًا ما خلال تصوير الفيلم، وابتكر بعض التقنيات السينمائية التي احتاجها لإخراج هذا الفيلم الذي يعتمد على الصورة فقط، فكان المونتاج هو أهم شيء بالنسبة له، فاستخدم الصور المزدوجة والحركة السريعة والحركة البطيئة وتثبيت الصورة واللقطة القريبة جدًا واللقطات التي تتعاقب دون مراعاة للانسيابية (Jump cuts) والشاشة المُقسَّمة واللقطات المتحركة للكاميرا وعرض مجموعة من اللقطات بعد إعادة ترتيبها عكسيًا. (انظر ويكيبيديا الإنجليزية) في الفيلم نجد مشاهد عادية: امرأة تلد مولودها، بعض اللاعبين يمارسون الرياضة، امرأة تعمل في مصنع للسجائر. المتعة تكمن في الاستمتاع بهذه الصور الخالصة، الفيلم الخالي من أي شيء سوى زوايا التصوير والمشاهد غير المُعتادة في الأفلام. وتم إنتاج الفيلم بدون موسيقى إلا أنه تم إضافة مقطوعات مختلفة تم عزفها لتناسب الفيلم. تم وضعه في المركز الثامن لقائمة BFI لأعظم الأفلام في تاريخ السينما.

