وُلد بيراجو ديوب في الحادي عشر من ديسمبر عام 1906 في ضاحية «واكام» على شبه جزيرة القديس فرنسيس المجاورة للعاصمة السنغالية داكار، لأسرة ذات شأن تنتمي إلى قبائل «الوولوف». ورغم غياب والده منذ طفولته المبكرة، إلا أنه نشأ في حاضنة عائلية دافئة أحاطته فيها رعاية والدته وخالته بحنان بالغ وقصص لا تنتهي. ولعب شقيقاه الأكبران، ماسيلا ويوسف، دوراً محورياً في صياغة شخصيته ومساره؛ فقد كان ماسيلا كاتباً وصحفياً غرست إروذيتة الواسعة في قلب بيراجو شغفاً مبكراً بالقراءة النهمة والبحث عن عيون الآداب الكلاسيكية. وتلقى تعليمه الثانوي في مدرسة «سان لويس» العريقة بالسنغال، قبل أن ينتقل بمنحة دراسية إلى فرنسا ليلتحق بجامعة تولوز ويتخرج طبيباً بيطرياً عام 1933.
في أروقة الجامعات الباريسية مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، انخرط بيراجو ديوب في الحراك الثقافي والسياسي للطلاب الأفارقة والكاريبيين في المهجر، وهناك التقى رفيق دربه الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، والشاعر المارتينيكي إيمي سيزير، والغوياني ليون غونتران داماس. وفي عام 1934، شارك ديوب بفعالية في تأسيس وإصدار مجلة «الطالب الأسود»، التي مثلت الولادة الفكرية الحقيقية لحركة «الزنوجة». لم تكن هذه الحركة مجرد رد فعل سياسي على السياسات الاستعمارية الفرنسية القائمة على «الاستيعاب الثقافي»، بل كانت ثورة ثقافية جذرية تهدف إلى استعادة الفخر بالهوية الأفريقية، وإثبات أن السود يمتلكون تراثاً حضارياً وإنسانياً عريقاً يوازي المركزية الأوروبية.
تميز ديوان ديوب الشعري الوحيد «أغاريد وظلال»، الذي يجمع نصوصاً كُتبت بين عامي 1925 و1960، بانقسام منهجي يعكس نضوجه الفكري؛ فقد بدأ حياته الإبداعية متأثراً بالتقاليد الرومانسية الفرنسية مع غلبة النبرة الذاتية المعذبة والانشغال بالهموم العاطفية الفردية. غير أن ديوب سرعان ما أدرك أن عبقريته لن تكتمل إلا بالغوص في جذوره الثقافية، ليصوغ في القسم الثاني من ديوانه رؤية فلسفية مذهلة تعيد تأسيس الوعي الأنطولوجي الأفريقي. فقد عرّف الحياة بأنها حركة إعادة تكوين أبدية تتجدد فيها طاقة الروح باستمرار عبر امتزاجها بالعناصر الكونية كالماء والنار والريح، حيث لا ينفصل الإنسان عن الطبيعة بل يرتبط معها برباط تبادلي مقدس يجعل من الطبيعة مسكناً للأجداد الحراس الروحيين للجنس البشري.
إلى جانب شعره، خلد بيراجو ديوب اسمه عبر مشروعه السردي التأسيسي المتمثل في تدوين وحفظ الحكايات الشفاهية لقبائل السافانا خلال تنقله لأكثر من عقدين طبيباً بيطرياً في أقاليم غرب أفريقيا الفرنسي، حيث التقى برواة التراث الشعبي المعروفين بـ «الغريو». وقد تجسد هذا الإرث في ثلاثيته القصصية الخالدة التي استهلها بـ «حكايات أمادو كومبا» عام 1947 وتضمنت قصيدته الأيقونية «أنفاس» من قصة «سارزان»، إضافة إلى مسرحيته الساخرة «عظمة مور لام» التي أخرجها بيتر بروك عالمياً عام 1979. لقد رحل بيراجو ديوب في الخامس والشرين من نوفمبر عام 1989 تاركاً إرثاً غير مسبوق؛ فقد انفرد بين أبناء جيله بكونه لم يكتفِ بالتنظير الأيديولوجي، بل انكب بعقلانية العالم وروح الفنان على إنقاذ الذاكرة الشفاهية الأفريقية من الانقراض وتحويلها إلى أدب عالمي خالد.