إمبرتو إيكو عن الكتابة والحياة (حوار مترجم)

حوار: ماركو بيلبوليتي

 

كان الثلج يتساقط حين وصلتُ إلى منزل أومبرتو إيكو في ميلانو. نحن في شهر فبراير، وقد قفز كتابه الأخير «العدد صفر» (Numero Zero)، الصادر عن دار «بومبياني» مطلع عام 2015، إلى صدارة قائمة الكتب الأكثر مبيعاً على الفور تقريباً. كُتبت عنه عدة مراجعات نقدية، وأجرى إيكو من المقابلات أكثر مما جرت عليه عادته، إن لم تخنّي الذاكرة. فماذا عساني أسأله ولم يُسأل عنه من قبل؟ كنتُ قد قرأتُ التجارب المطبعية للكتاب قبل صدوره، لكننا لم نتمكن من تحديد موعد للقاء قبل اليوم. ينتابني حماس كبير للقائه؛ فإيكو ذائع الصيت في إيطاليا والعالم أجمع، ولعله أشهر كاتب إيطالي على قيد الحياة اليوم. كُتبت عنه مقالات ودراسات وكتب كاملة، ومع ذلك ثمة أشياء كثيرة عنه تفلت من قرائه ونقاده. أحد الأمور التي أودّ استكشافها هو دوره المزدوج ككاتب مقالات وروائي، وأمر آخر هو طريقته في العمل. ثم هناك تلك المسألة «البسيطة» المتعلقة بكتابته رواية في الثانية والثمانين من عمره؛ وهو إنجاز لا يُستهان به بأي مقياس. من هنا إذاً أبدأ مقابلتي: جالساً على أريكته، أسأله عن «العدد صفر».

ما الذي أوحى لك بفكرة هذا الكتاب؟

أواظب على كتابة مقالات تنتقد الصحافة منذ سبعينيات القرن العشرين. وفي التسعينيات، عُيّن زميل لي في التدريس الجامعي، هو كارلو سكونياميليو، رئيساً لمجلس الشيوخ، فدعاني إلى إلقاء محاضرة حول «مثالب الصحافة الإيطالية وفضائلها»، حضرها عدد من رؤساء تحرير الصحف. كانت المحاضرة نقدية إلى أبعد حد، تحليلاً لا يرحم، أعقبه نقاش مع الصحفي في جريدة «كورييري ديلا سيرا» بييرو أوتوني، كان أقلّ هوادة حتى من المحاضرة. تبنّى أوتوني وجهة النظر الأنجلوسكسونية القائلة بإمكانية فصل الوقائع عن الرأي، بينما ذهبتُ أنا ومشاركون آخرون إلى أن الصحفيين عاجزون عن التمييز بين الاثنين. لطالما كان هذا الموضوع هاجساً أثيراً لديّ، لا سيما في مقالاتي.

أيعني هذا أن الكتاب يولد نتيجة موضوع شغوفٍ به؟

ليس تماماً. لكن دعني أحاول الإجابة عن الأسئلة السابقة. كنتُ قد شرعتُ في جمع أفكار غامضة حول قصة تدور أحداثها في مكتب صحيفة، وكان ذلك قبل أن أكتب رواية «باودولينو» (Baudolino). ثم استبدت بي أفكار وآفاق أخرى، فتركتُ هذه الفكرة في سبات. وحين بلغتُ الحادية أو الثانية والثمانين من عمري، أخذتُ أتساءل عما إذا كنتُ لا أزال قادراً على كتابة رواية. شعرتُ وكأنني استنفدتُ كل ما كان لديّ من أفكار، لكن فجأة طفت هذه الفكرة على السطح. أشار بعض النقاد النبيهين إلى أنني أعيد استخدام الكثير من المواد التي سبق لي أن كتبتُ عنها. لقد انطلقتُ من مبدأ أن هذه الأفكار هي ملكي على أي حال، وأن كل ما يُنشر يُنسى بعد أسبوع، لذا بوسعي إعادة تدوير المواد السابقة؛ فالمقالات الصحفية عمرها الافتراضي قصير إلى حد لا يُصدق. وهكذا قررتُ الكتابة عن هيئة تحرير صحيفة من الدرجة الثانية أو الثالثة.

كيف انبثقت الشخصيات؟

لقد جاءت من أسماء خطوط الطباعة (Typefaces). ستجدها كلها إذا فتحتَ قائمة الخطوط المنسدلة في برنامج «مايكروسوفت وورد»، باستثناء خط «براغادوتشيو» (Braggadocio) الذي لم يعد مدرجاً في القائمة. أحب هذا الاسم كثيراً. لم أكن أعرف آنذاك حتى بوجود شخصية إنجليزية تحمل هذا الاسم، وهي شخصية من طراز «الجندي المتبجح». أردتُ أن أجمع ثلة من الأشخاص لا يربط بينهم أي رابط. بنيتُ هذه المجموعة شيئاً فشيئاً، وبدأتُ ببعض الأمثلة السلبية للصحافة التي خبرتُها بنفسي مباشرة، مثل «التلطيخ والتشهير» (آلة رمي الأوحال)، وقصة القاضي ذي الجوارب القرمزية… فقد كنتُ ضحية لذلك ذات مرة؛ إذ كتبت إحدى الصحف أنني شُوهدتُ في مطعم صيني برفقة «شخص مجهول». أفترض أن الصحفي لم يكن يعرفه، أما أنا فكنتُ أعرفه؛ بل كان صديقاً في واقع الأمر، ولم يكن شخصية غامضة تثير الريبة، وكان المطعم هنا تماماً عند ناصية الشارع. التشهير باللمز يعني ألا تكتب أن فلاناً مشتهي أطفال، بل تكتب أن فلاناً يمتلك كنزة زرقاء، فإذا وضعتَ تلك الكنزة الزرقاء في السياق المناسب، بدأت الشبهات تحوم حوله.

أردتُ أن أفهم كيف تعمل، وكيف تكتب. لديك اسم، وترسم ملامح عامة (بورتريه)؛ فكيف تدبّ الحياة في الشخصية على الورق؟

تبدأ رواياتي عادةً بفكرة تقع في زمن معين ومكان معين. قد تكون الحقبة هي القرن السابع عشر، كما في رواية «جزيرة اليوم السابق» (L’isola del giorno prima, 1994). وفيما يتعلق بالمكان، فقد اشتغلتُ على خرائط جغرافية، بل إنني رسمتُ سفينة قطعةً قطعة، بما في ذلك تصميمها الداخلي. قد يستغرقني ذلك عاماً أو عامين. أبدأ بفكرة تأسيسية، بذرة تُغرس: راهب مسموم، صبي يعزف على البوق في مقبرة، ساعة مُلتقطة من متجر تشير إلى التوقيت الكوني. ثم، بمجرد أن أغرس البذرة وأبتكر ربما شخصية أو اثنتين وأمنحهما اسماً، يتشكّل السياق ويمتلئ من تلقاء نفسه. تجلس حينها مثل «إله جويس» تبرُد أظافرك بينما تكتب الرواية نفسها بنفسها. عندما هيّأتُ المشهد بشخصية تُدعى «براغادوتشيو»، لم تكن لديّ أدنى فكرة أن هذه الشخصية ستنشغل بموت موسوليني. في حالة «العدد صفر»، كان الموضوع أو المحور الذي أردتُ التركيز عليه هو صحافة الدرجة الثانية، وكنتُ مهتماً بميلانو كمدينة ضبابية وكتومة. شرعتُ في قراءة كل ما وقعت عليه يدي من كتب حول ميلانو الخفية، واكتشفتُ زقاق «فيا بانييرا» (via Bagnera) الذي لم أسمع به قط، تماماً كما لم يسبق لي دخول كنيسة «سان برناردينو ألي أوسا» (San Bernardino alle Ossa)، التي أخذتُ أتردد عليها بعد ذلك. هكذا راودتني فكرة استخدام شخصية براغادوتشيو لعبور تاريخ إيطاليا في القرن العشرين منذ عهد موسوليني، وهو يتنقل من شارع غامض إلى آخر مكتشفاً كل ألغاز بلادنا. بوسعي القول إنه فعل ذلك كله بمفرده. فلو لم أخترع مكتب صحيفة يضم شخصية مصابة بجنون الارتياب (البارانويا)، لَما وُجدت قصة من هذا القبيل على الإطلاق.

الشعور الذي ينتاب القارئ عند قراءة «العدد صفر» هو أن الكتاب يبدأ ببطء، كمحرك على الغيار الأول، ثم تتسارع وتيرته كلما مضى قدماً. تتحدث البداية، المطبوعة بخط مختلف، عن صنبور لا يخرج منه الماء، وعن المغامرات الجامعية للبطل، الذي هو الراوي أيضاً. ثم يظهر براغادوتشيو على المسرح فيكتسب الكتاب سرعة. وبعد ذلك تبرز الشخصية الأخرى، «مايا»، التي تضفي علاقتها بالراوي إيقاعاً من نوع آخر على الأحداث. يستغرق الكتاب بعض الوقت ليكتسب زخماً.

هذا صحيح تماماً. بل هناك ما هو أكثر من ذلك. فالاستهلال الذي يتناول الماء الذي انقطع عن الصنبور كان في الأصل بداية رواية «بندول فوكو» (Il pendolo di Foucault). قرأه صديق أثق برأيه، ونتيجة لذلك حذفتُ المشهد، رميتُه حرفياً. وقد ندمتُ دائماً على التخلص من ذلك الجزء من القصة، لأن فكرة عدم خروج الماء من الصنبور كانت تعجبني حقاً. لذا عندما قررتُ كتابة هذه القصة تحديداً، نزلتُ إلى القبو وأخذتُ أفتح صناديقي القديمة حتى عثرتُ على النص القديم. نقّحتُه قليلاً، وكان هو ما أحتاج إليه بالضبط لاستهلالٍ بطيء، لأنه كان يمثل الطريقة البطيئة التي بدأتُ بها العمل على الرواية. ثم تبدأ القصة بالتسارع. دعنا نقل إن جميع رواياتي ذات الصفحات الستمائة كانت بمثابة سيمفونيات لغوستاف مالر، حافلة بالاقتباسات والإحالات. أما هذه الرواية، في المقابل، فهي مقطوعة جاز، لازمةٌ موسيقية (Riff) لتشارلي باركر. وأنا أوضح هذا الأمر جلياً لمترجمي أعمالي عندما يرغبون في إضافة أشياء؛ أقول لهم: عليكم الحفاظ على إيقاع الجاز متقداً في هذه الرواية. «تا-تاتا». تبدأ مقطوعة الجاز بمقدمة بطيئة، ثم تكتسب الإيقاع المفترض لها، أسرع فأسرع.

وماذا عن الذكريات الجامعية إذاً، وقصة الأساتذة المساعدين؟

كان ذلك كله جزءاً من الفصل الذي رميتُه.

ينتابني شعور بأنه لا يوجد رابط كبير بين هذا وبين «كولونا»، الراوي والصحفي الذي يترجم عن الألمانية.

أعتقد أنه يؤدي غرض استكمال ملامح هذه الشخصية الفاشلة. هل شعرتَ أن هناك شيئاً ناقصاً؟

يبدأ الكتاب بأجواء تذكّر بروايات الإثارة والتشويق، وعلى أي حال فإن الذكريات الجامعية تكاد تكون عنصراً ثابتاً في كتبك.

قلّما تظهر الجامعة في كتبي. ففي «بندول فوكو» نجد محررين في دار نشر.

هذا صحيح، لكن المرء يشعر بأن الشخصيات قد نمّت هواجسها في الجامعة، أو أن العلاقات قد تأسست في ذلك الحين. ثم يظن القارئ أن القصة ستمضي في ذلك الاتجاه.

كانت لديّ فكرة عن صديق أو صديقين درسا اللغة الألمانية لكنهما لم يتخرجا قط، وعملا هنا وهناك كمستشارين. من هنا بدأت، لأنني كنت بحاجة إلى شخصية ستُطلق صحيفة من الدرجة الثانية، وبالتالي لم يكن ممكناً صياغتها على غرار كبار صحفيينا المرموقين مثل سكالفاري أو مونتانيللي. كنتُ بحاجة إلى شخص فاشل؛ فاشلٍ كمحرر، وككاتب ظل (Ghostwriter)، وكزوج، يذهب للعمل في صحيفة غير موجودة أصلاً، ثم يعوّض عن كل شيء بالوقوع في الحب. أعتقد أن قصة رجل فاشل هي قصة متماسكة. فهل تلمّح إلى أنني، بما أنني لستُ فاشلاً، لم أتمكن من كتابتها على النحو الصحيح؟

كولونا يحقق إمكاناته، ويستقر مع الصحفية الشابة التي التقاها في مكتب الأخبار المزيفة وهو في الخمسين من عمره. إنه في مرحلة «ما بعد الفشل». أما اللمحة الخاطفة عن قدراته في بداية الكتاب، وحقيقة إتقانه الترجمة عن الألمانية، وغيرها من المهارات غير ذات الصلة الوثيقة بالسرد، فتُترك كلها معلّقة هناك في القسم الافتتاحي الذي أعدتَ استخدامه من رواية سابقة.

لكن كولونا يعمل خلف الكواليس، ويمدّ الآخرين بالأفكار. ومثل كل شخص عصامي التعلّم، فإنه يمتلك معرفة هائلة، كما أوضح في الرواية. فالعصاميون في التعلّم هم دائماً أوسع اطلاعاً من غيرهم.

لماذا تكتب عن الفاشلين في «العدد صفر» وفي «بندول فوكو»؟

لأن المحررين الثلاثة في «بندول فوكو» كان بإمكانهم أن يكونوا محررين في دار نشر عريقة مثل «إيناودي» (Einaudi)، لكنهم في الواقع محررون في دار نشر تجارية تُعنى بنشر كتب المؤلفين على نفقتهم.

تطغى ثيمة الفشل بشكل ملحوظ، إلى جانب ثيمة جنون الارتياب والمؤامرة…

بعض الكتّاب لا يكتبون إلا عن الجنس، أما أنا فأكتب عن الفشل.

لماذا؟

لأن الكتّاب الذين يكتبون عن الجنس لا يحظون إلا بالقليل جداً منه في حياتهم، والكتّاب الذين يكتبون عن الفشل لا يختبرون إلا القليل جداً من الفشل. على أي حال، كلٌّ منا يختار رسالته في الحياة. وبما أنني كثيراً ما أشعر بالاشمئزاز من جنون الارتياب الذي يحيط بنا، فقد اخترتُ محاربته. غيري يختار معارك أخرى.

لا يمكنك أن تنكر أنك تشعر بمتعة معينة في الكتابة عن المؤامرات والدسائس.

بالطبع أشعر بذلك. إدغار آلان بو يستمتع بالكتابة عن الألغاز والثارات الدموية، وميشيل ويلبيك يستمتع بالكتابة عن الجنس في كل صفحة؛ فلربما يجد متعة قصوى في ذلك.

الخداع والتلفيق ثيمة أخرى من ثيماتك المفضلة.

أعكف حالياً على قراءة بعض المقالات النقدية التي تتناول أعمالي من أجل كتاب من المقرر صدوره في الولايات المتحدة. إنه مؤلَّف جماعي يتعين فيه على الكتّاب كتابة سيرة ذاتية فلسفية، ثم يكتب خمسة وعشرون باحثاً مقالاتٍ عن المؤلف، ويتوجب على المؤلف الرد على كل واحد منهم. بدأ المشروع قبل ثلاث سنوات، ومن المرجح أن يستمر لعامين آخرين. وقد لاحظتُ حتى الآن أن العديد من هذه المقالات يركز على عبارة واحدة وردت في كتابي الصادر عام 1976 «نظرية السيميائيات» (A Theory of Semiotics)، أدّعي فيها أن السيميائيات هي قبل كل شيء نظريةٌ في الكذب والتلفيق. لذا من الواضح لماذا أركز على ما هو زائف. إنها ثيمة أخرى من تلك الثيمات التي لازمتني طوال حياتي. فلا جدوى من دراسة وظيفة اللغة عندما أقول الحقيقة، كأن أقول شيئاً مثل «الضوءُ مُضاءٌ في هذه الغرفة». المهم هو فهم وظيفة غير الحقيقي، كأن تقول «ثمة شبح خلفك»؛ فهناك تخلق اللغة عوالم جديدة بدلاً من مجرد عكس العوالم القائمة. تكمن إشكالية التلفيق في وظيفته التاريخية. وقد كتبتُ ذات مرة مقالاً عن «قوة الزيف». إنني أجد المسألة برمتها مثيرة للاهتمام حقاً. فلكل كاتب هواجسه التي يجرّها معه طوال حياته: هي عند البعض ذكريات الطفولة، مثل بروست؛ وعند آخرين، مثل توماس مان، العلل الفكرية.

لقد استخدمتَ كلمة «شبح» للتو. هذا الكتاب يعجّ بالأشباح؛ موسوليني على سبيل المثال. الأشباح هي أيضاً ذكريات تعيش في داخلك. ما هو الشبح في نظرك؟

لم أفكر قط في هذه الثيمة. إنها تذكرني بشريط مصور هزلي من ثلاثينيات القرن العشرين بعنوان «شبح ديبينسو» (The Dibensò Ghost). كان الاسم يحاكي لهجة بولونيا، وكان يُنشر دائماً في الصفحة الأخيرة من ألبومات يوفنتوس. لكن لا، لم أكن يوماً مهتماً بالأشباح حقاً، إلا عندما اشتريتُ منزلاً في الريف وكنتُ مقتنعاً بوجود شبح القائد التاريخي «أوغوتشوني ديلا فاجيولا» فيه، حتى إنني صنعتُ شبحاً بملاءة وعصا. لم يسبق لأحد أن سألني هذا السؤال من قبل.

هناك أناس تسكنهم الأشباح. خذ مثلاً قصة الحب الفاشلة للراوي-البطل في «العدد صفر». ثم هناك شبح موسوليني الذي يراه المصاب بجنون الارتياب براغادوتشيو.

حسناً، إذا طرحتَ الأمر على هذا النحو، فيمكنني القول إن رواية «اللهب الغامض للملكة لوانا» (La misteriosa fiamma della regina Loana, 2004) بأكملها هي قصة أشباح، أو أن «بندول فوكو» هي قصة بنات أفكارٍ شبحية ولدتها عقول الحمقى.

يقول علماء النفس إن جنون الارتياب (البارانويا) هو المرض العقلي الوحيد المعدي، في حين أن الفصام (الشيزوفرينيا) ليس كذلك. دعنا نقل إنه لا توجد «قوة الزيف» فحسب، بل هناك أيضاً «مرض»، عامل اجتماعي.

حسناً، لطالما وُجدت البارانويا الجماعية. والناس يتحدثون عنها منذ كارل بوبر.

ما الذي يغويك في هذا الأمر إلى حد الاشتباك معه إلى هذه الدرجة؟

الحقيقة هي أنني لستُ متطيّراً على الإطلاق، ولستُ من النوع الذي يستسلم للعبوس والضغينة. إذا أزعجني أمر ما، أو بدا لي غريباً، أو عجزتُ ببساطة عن تفسيره، أقول لنفسي إنه خطئي أنا، وإن كل شيء على ما يرام… وهكذا أنجو بنفسي دون أن أُصاب بجنون الارتياب. لهذا السبب يفتنني بطلي المصاب بالبارانويا؛ فالشيء الذي يبدو لي عشوائياً ومحض مصادفة تماماً، يشكّل بالنسبة إليه أساساً لإعادة قراءة شاملة للواقع.

ومع ذلك، يبدو أن هذا يتناقض – بالعودة إلى «نظرية السيميائيات» – مع حقيقة أن كل إنسان يمتلك بنية لقراءة الواقع. فأنت لستَ مشتت الذهن، بل تمتلك عقلية منظمة للغاية، ويُظهر هذا الكتاب أنك تؤطّر البارانويا وتجعلها جزءاً من استراتيجيتك.

إضفاء بنية على خطابك لا يعني أنك مصاب بجنون الارتياب، بل يعني فقط أنك عقلاني أو على الأقل حصيف. أما الشخص المصاب بالبارانويا فيخلق بُنى هذيانية من أشياء لا رابط بينها، والعالم الذي يعيش فيه تحكمه بنيته الارتيابية أكثر من أي عنصر آخر. فما هو تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) إن لم يكن شكلاً جماعياً من جنون الارتياب؟ إننا محكومون بوجود البارانويا الجماهيرية. وبمَ كان جورج بوش يفكر عندما غزا العراق، مقتنعاً، بدعمٍ من حركة المحافظين الجدد بأسرها، بأن صدام حسين كان يخفي أسلحة دمار شامل؟ كان هذا أيضاً شكلاً من أشكال البارانويا؛ ففي الواقع كانت المعلومات زائفة. وماذا كان هتلر إن لم يكن مثالاً على بارانويا هائلة؟ نحن مهووسون بالمصابين بالبارانويا أكثر من غير المصابين بها. وردّ فعلي على ذلك هو أن أروي هذا العالم.

لا أعتقد أن هناك شخصية واحدة طبيعية في كتابك.

وهل تعتقد أن أي شخصية في أي كتاب هي شخصية طبيعية كما تقول؟ لعلها «لوتشيا مونديلا» في رواية «المخطوبون» لمانزوني.

وماذا عن خطيبها «رينزو» إذاً؟

لا، إنه مجرد شخصية تتحيّن الفرصة لافتعال شجار، وتوقع نفسها في المتاعب. لا، رينزو تراملينو ليس طبيعياً. ربما تكون «أنييزي» طبيعية بعض الشيء.

وماذا عن النساء؟ في «العدد صفر»، تبدو «مايا»، البطلة الرئيسية، أكثر طبيعية من الرجال المحيطين بها.

نعم، هي كذلك. لقد أثار حفيظتي ناقدٌ ألّف كتاباً عن أسلوبي السردي وادّعى أنه لا مكان للنساء في رواياتي. النساء في كتبي هنّ حاملات الحكمة، مثل «ليا» في «بندول فوكو».

في «العدد صفر»، تبدو مايا شخصية ضئيلة الحضور جداً.

إنها عاقلة، وتتمتع بحس دعابة. تحيط نفسها بالفاشلين، ولم تكن حياتها هي الأخرى ناجحة تماماً. وشخصيتها صغيرة الحجم بقدر صغر نهديها.

صغيران لكنهما ناهدان ومكتنزان، دَوِّن ذلك.

صحيح. سأفعل.

إنها نحيلة وضئيلة. بل إن الشخص البدين الوحيد في الرواية هو براغادوتشيو.

لم أركز على أوزان الشخصيات. كل ما يمكنني قوله هو أن رأسه كبير.

بعد البداية البطيئة، تنطلق الرواية وتنتهي بسرعة كبيرة. لقد حسمتَ نهايتها، لكن كان بإمكانك الاستمرار.

أنت تجلس هناك وتنتظر، والرواية هي التي تقرر بنفسها متى تنتهي. قصةٌ من هذا النوع لم يكن ممكناً أن تنتهي إلا بتلك الطريقة، بهالة التشاؤم هذه: إيطاليا ستزداد سوءاً، ونحن نجلس ونتفرج عليها وهي تنحدر نحو الأسوأ. في الأيام الخوالي كان يُطلق على هذا النوع من الأعمال اسم «الرواية الفاضحة» (Exposé).

ثمة ثيمة أخرى إلى جانب البارانويا، ولعلها مرتبطة بها، وهي ثيمة «المبتذَل الشائع». فالكتاب يعجّ بالكليشيهات.

طبعاً…

لماذا «طبعاً»؟

إذا أصدرتَ صحيفة من الدرجة الثانية فستكون مليئة بالتعبيرات الجاهزة؛ وكل ما أفعله هو تصوير الواقع فوتوغرافياً.

من أين تأتي هذه الكليشيهات؟ أهي جزء من لغتنا؟

هي بالطبع جزء من لغتنا، ونتاج للاستخدام الكسول للغة. إنها قوالب جاهزة، «كليشيهات» كما تسميها. تسمعها طوال الوقت، في الصحف وفي التلفزيون. إنها تعبيرات جامدة.

لطالما تخصصتَ في قلب التعبيرات الجامدة رأساً على عقب.

لقد فعلتُ ذلك مرات عديدة، نعم؛ في كتاب الأطفال الصادر عام 1973 «اقتُل العصفور الصغير» (Ammazza l’uccellino)، وفي المقالات التي اعتدتُ كتابتها لصحيفة «إل مانيفيستو» (Il Manifesto) اليسارية اليومية حول غباء الكتب المدرسية. من الواضح أنني كاتب واقعي؛ فهناك كتّاب يجيدون وصف العمال في إقليم أبروتسو، وهناك آخرون يجيدون تصوير منتجي الكليشيهات.

هل تجذبك الكليشيهات؟

لطالما اهتممتُ بالغباء. إنه ثيمة أخرى من تلك الثيمات التي كرّستُ لها وقتاً واهتماماً. رواية «بندول فوكو» تدور حول الغباء. لقد فُتنتُ به دائماً، وأنا أغار من كارلو تشيبولا الذي كتب مقالاً رائعاً حول هذا الموضوع في كتابه «أليغرو ما نون تروبو» (Allegro ma non troppo، بومبياني، 1988). أحاول تحليل الأساس الذي يقوم عليه الغباء، مستخدماً المنطق الصوري لتحديد النقطة التي يفكر عندها الأغبياء تماماً مثل غيرهم، قبل أن يقعوا في زلّة قياسية (منطقية) طفيفة تجعل ما يقولونه يبدو معقولاً، في حين أنه في حقيقة الأمر محض غباء. علاوة على ذلك، أنا مقتنع في الأساس بأن الغباء ليس استثناءً ينفجر فجأة وسط مشهد من السواء الطبيعي، بل إن واقع الحال هو أن الجميع أغبياء إلى درجة ما، وأن البعض أقل غباءً من غيرهم؛ مثلي أنا، على سبيل المثال.

من الناحية الأسلوبية، كيف تصنّف هذه الرواية؟

قلتُ لك؛ إنها ليست سيمفونية لمالر مثل كتبي الأخرى، بل هي مقطوعة جاز. ولهذا السبب تقع في مائتي صفحة فقط؛ فما من لازمةٍ موسيقية في الجاز تستمر أربع ساعات.

أتقبّل ذلك، لكنها مكتوبة بطريقة مختلفة عن أعمالك الأخرى، وليس فقط بالمعنى المجازي لموسيقى الجاز.

هناك تفسير آخر قدمه لي أحد ناشري أعمالي الفرنسيين؛ وأنا هنا «أروي ما رُوي لي» (Relata refero)، وإن كان ذلك قد منحني سعادة غامرة. قال لي: «أنت في الثالثة والثمانين من عمرك، والكتاب يُقرأ وكأنه بقلم رجل أصغر سناً بكثير».

أين يرى الناشر روح الشباب هذه؟ أفي السرعة؟

نعم، في ذلك وربما في حس الفكاهة. لا أدري، أنا أنقل ما قيل لي. لعل الأمر لا يعدو كونه وهن الشيخوخة، كما يحدث حين تكون على شفا الموت فتنادي أمك. ربما كلما تقدمتَ في السن صرتَ أكثر خفةً لا أثقل وزناً.

قد يعود السبب إلى كونك وظّفتَ أسلوباً صحفياً؛ فلربما منح ذلك الكتابةَ إحساساً بالسرعة والشباب، ألا تعتقد ذلك؟

أنا كاتب محاكاتي (Mimetic). إذا كتبتُ كتاباً تدور أحداثه في القرن السابع عشر، أكتبه بأسلوب باروكي. وإذا كنتُ أكتب كتاباً تدور أحداثه في مكتب صحيفة، أكتبه بلغة الصحافة.

هل خلقتَ هذه المحاكاة باستخدام مقالاتك الصحفية الخاصة؟

نعم. في «اسم الوردة» (1980)، كنتُ أحاكي أسلوب مؤرخي الحوليات في العصور الوسطى. قال بعض النقاد إنها بدت أشبه بالتقارير الصحفية لخلوّها من الاستعارات أو الزخارف اللغوية؛ لكن هكذا كان يكتب مؤرخو العصور الوسطى. فقد كتب رودولفوس غلابر بهذا الأسلوب تماماً في السنوات التي حامت حول عام 1000 للميلاد.

أَتُعدّ «العدد صفر»، إذاً، محاكاةً لصحافة التسعينيات؟

لقد استخدمتُ إيقاع الصحيفة ولغتها لأن هذا هو ما تطلّبته الشخصيات. فعندما كتبتُ عن بطل ينتمي إلى العصر الباروكي، تبنّيتُ عفوياً الأسلوبَ الذي كنتُ قد درستُه في جامعة تورينو على يد الناقد جوفاني جيتو في محاضراته عن الكاتب الباروكي جوفاني باتيستا مارينو، وهو أسلوب كنتُ قد تشربتُه وحفظتُه عن ظهر قلب بطريقة ما. لطالما قلتُ: ابنِ عالمك أولاً، وستتبعك اللغة. ففي السرد الروائي تنطبق مقولة كاتو الأكبر: «أمسِك بالموضوع، وستتبعك الكلمات» (Rem tene, verba sequentur). أما الشعر فهو الجنس الأدبي الوحيد الذي ينطبق عليه العكس: «أمسِك بالكلمات، وسيتبعك الموضوع» (verba tene, res sequentur).

هناك بعض كتّاب الرواية يضعون اللغة في المقام الأول، أليس كذلك؟

نعم، هناك من يفعل ذلك. وفي الواقع هم يكتبون روايات رديئة. أو «لا-روايات»، مثل «يقظة فينيغان» لجويس، فهي ليست رواية.

قد يكون هناك حل وسط. ماذا عن كارلو إميليو غادا، على سبيل المثال؟ لقد بدأ من الكلمات.

لستُ متأكداً من أن عملاً يُعدّ رواية حقيقية بلا شك، مثل روايته «تلك الورطة الفظيعة في شارع ميرولانا» (Pasticciaccio)، لم يبدأ في الواقع بحبكة بوليسية ثم تبعتها الكلمات بعد ذلك. غير أن غادا هو بالتأكيد كاتبٌ كان الابتكار اللغوي يعني له أكثر مما يعني لتولستوي.

وفي نظرك، هل يحظى الابتكار اللغوي بأهمية أقل؟

ما يهمني هو سرد قصة وبناء عالم، عالمٍ ممكن. إنها مسألة كوزمولوجيا (بناء كوني).

أيعود هذا إلى كونك فيلسوفاً، وفيلسوف لغة، وعالم سيميائيات؟ أم أن الأمر كان كذلك دائماً؟ أهذا هو أسلوبك؟

لم أهتم قط بالزخارف اللغوية. كل ما أردتُه دائماً هو أن تلائم اللغةُ الموضوعَ المطروح. فلغة كتاب «المروّعون والمندمجون» (Apocalittici e integrati) تختلف عن لغة كتاب «الأثر المفتوح» (Opera aperta)، الذي يتناول موضوعات أكثر تعقيداً وإرهاقاً للذهن بكثير.

أكثر تعقيداً وإرهاقاً للذهن؟ أتعني استخدام نوع معين من اللغة؟

أعني لغة أكثر تقنية، متأثرة بالأعمال الفنية التي كنتُ أدرسها. أعتقد أنه لو قرر أحدهم تحليل لغة هذين الكتابين اللذين كُتبا في وقت متزامن تقريباً (وإن كان أحدهما قد صدر بعد الآخر بعامين)، لوجد أن اللغة المعتمدة في «الأثر المفتوح» أكثر ملاءمةً للأعمال المفتوحة من تلك المعتمدة في «المروّعون والمندمجون»، التي حاولت التكيف مع لغة البرامج التلفزيونية التي كنتُ أكتب عنها.

تقول إنك كاتب محاكاتي. تحاكي ماذا بالضبط؟

أنا محاكاتي لأن اللغة، على عكس ما كنتَ تقوله، تؤدي دوراً بالغ الأهمية في كتابتي. أنا حرباء تتكيف مع لغة العالم المخلوق في كتاب بعينه، وتتغير لغتي في كل كتاب. فلغة «الملكة لوانا» تختلف تماماً عن لغة «باودولينو». يأتي العالم أولاً، ثم اللغة، لكن اللغة تتطور كنوع من الابتكار المحاكاتي. وهذا يمنحني متعة كبيرة، لكنه يتطلب أيضاً قدراً هائلاً من العمل. وقد قدّرت الناقدة ماريا كورتي هذا التحول في المستوى اللغوي (Register) في «بندول فوكو» مقارنةً بـ«اسم الوردة». ففي «بندول فوكو» استخدمتُ اللغة المحاكاتية لناشر من الدرجة الثانية مثل بيلبو، واللغة المحاكاتية للمشتغلين بالعلوم الخفية (الأوكولت). كما اخترعتُ لغات غير موجودة أصلاً في روايات أخرى، مثل لغة «سالفاتوري» في «اسم الوردة»، وفي «بندول فوكو» لغة رجل فرنسي يتحدث إيطالية ملوثة بالفرنسية. وفي «جزيرة اليوم السابق» يتحدث الأب كاسبار شكلاً من أشكال الألمانية الزائفة، وهو ما أثار حفيظة الكثير من النقاد.

إذاً، هل يمكن القول إن هويّتك كروائي وكاتب مقالات تكمن في تنقلاتك بين المستويات اللغوية؟

إنها تكمن في الطبيعة الحربائية للغتي.

وتحت قناع الحرباء، ماذا يوجد؟ مَن هو إيكو الروائي؟

مَن يدري؟

لا بد أن لديك فكرة ما؟

لا، ليس لديّ. ولهذا السبب أكتب؛ لكي أكتشف ذلك.

هذه في حد ذاتها فكرة عن دور المرء ككاتب.

لقد رويتُ هذه القصة مرات عديدة من قبل. كان لويجي باريسون، وهو أستاذ درّسني في الجامعة، يزداد محافظةً بمرور الوقت. وقد قال لي ذات مرة: «ليس لكل واحد منا سوى فكرة واحدة في الحياة، وكل ما نفعله هو تطوير تلك الفكرة». فقلتُ في نفسي حينها: «يا له من فكر رجعي!». ومع تقدمي في السن، أدركتُ أنني أنا أيضاً لم أطور في حياتي سوى فكرة أساسية واحدة. المشكلة هي أنني لا أعرف ما هي هذه الفكرة. ولذلك أكتب كي أكتشفها. فإذا اكتشفتُها قبل أن أكون على فراش الموت، فسأخبرك بها.

ثمة أمر آخر لافت للنظر في كتبك، وهو طريقتك في توظيف الزمن، فضلاً عن طريقتك في توظيف المكان. ففهرس «العدد صفر» يعطي الانطباع بأن الزمن مهم للغاية.

أنا أرسطوطاليسي في هذه الرواية؛ فهناك وحدة تامة للمكان والزمان.

لكن الاستهلال يسبق هذه الوحدة؛ إذ تبدأ الرواية في 6 يونيو 1992، ثم تدور بقية الأحداث بدءاً من 6 أبريل. كيف حدثت هذه الإزاحة الزمنية؟

كنتُ أكتب رواية عن أحداث عام 1992. ومرة أخرى، أرغمني العالم الذي بنيتُه على إبقاء الإطار الزمني مضغوطاً ومحكماً للغاية. ثم تتحدث الرواية عن إعدام موسوليني رمياً بالرصاص عام 1945، أي قبل ذلك بنحو خمسين عاماً (يقول إيكو في النص الأصلي ستين عاماً)، لكن هذه العقود تمر كوميض البرق في غضون صباح واحد بالنسبة للبطل. إنني أعشق تقنية الاسترجاع الفني (الفلاش باك) في الرواية كما في السينما.

غير أنه بين أحداث عام 1992 والساعات الأخيرة من حياة موسوليني عام 1945 لا يوجد شيء، لا رابط زمني أو موضوعي على الإطلاق.

توجد إعادة البناء التي يجريها رجل مجنون.

وهي لا تزال بناءً لعالم ممكن، كما تقول.

وما الغريب في ذلك؟ انظر إلى بروست حبيس غرفة مبطنة بالفلين، وتأمل ما حشده فيها. وانظر إلى «دون إيسيدرو بارودي» (شخصية بورخيس وبويغ كاساريس) القابع في السجن وهو يتخيل عوالم ممكنة تتطابق مع العالم الحقيقي. وشيرلوك هولمز يفعل كل شيء في غرفة جلوسه، باستثناء بضع خرجات قليلة. إنها ليست تقنية سردية جديدة، بل هي شائعة جداً في الواقع.

يبدو أنك استخدمتها من أجل ربط لازمة الجاز الموسيقية ببضعة تواريخ لضبط الإيقاع.

أعزف موسيقى الجاز بين الحين والآخر مع جاني كوشا على الأكورديون وأنا على آلة الريكوردر (الناي الخشبي). التواريخ والأوقات وُضعت لمساعدة القارئ. فلو كتبتُ «في زمن جماعة 63 الأدبية» لأربكتُ القراء. في «العدد صفر» لم يبدُ ذلك مناسباً. وكما فعلتُ في «مقبرة براغ» (Il cimitero di Praga, 2010)، أستخدم خطوط طباعة مختلفة لمساعدة القراء على تحديد وجهتهم وسط تطور معقد للإطار الزمني.

هل غيرتَ تقنيتك إذاً منذ أيام «جماعة 63»؟

لا، لأنني لم أكتب روايات تجريبية في ذلك الوقت. لكن لولا كل ذلك السجال الذي دار آنذاك، لَما كتبتُ على الأرجح ما كتبت. فبينما رأى مانغانيللي وسانغوينيتي في «اسم الوردة» خيانةً لمبادئ الجماعة الأدبية، كانت الرواية بالنسبة إليّ التطور الطبيعي لطريقة مختلفة في تصور السرد الروائي. في مرحلة ما، ألّف شاعر مغمور ينتمي إلى الجماعة كتاباً بعنوان «إكراه التكرار» (Coazione a ripetere) كرّر فيه أرقاماً على مدار مائتي صفحة. الأمر أشبه بعرض لوحة قماشية بيضاء فارغة؛ لا يمكنك أن تفعل أكثر من ذلك، وحينها يتعين عليك العودة إلى رسم شيء ما بالفعل.

في تطور الكتب التي ألّفتَها منذ الثمانينيات، هل تعتقد أنك حافظتَ على تماسك معين من حيث تقنيتك السردية؟

أظن ذلك. وربما يعود الأمر إلى افتقاري إلى الخيال؛ فلولا ذلك لكنتُ كتبتُ أنواعاً مختلفة من الكتب. خذ جويس مثلاً، الذي كتب أولاً «أهالي دبلن»، ثم «عوليس»، ثم «يقظة فينيغان»؛ هناك تطور. فلو لم تكن تعرف المؤلف، وقرأتَ الكتاب الأول ثم الكتاب الأخير، لَما خطر ببالك قط أنهما للكاتب نفسه.

قلتَ آنفاً إنك كاتب واقعي.

كان ذلك مجرد تعبير. أنا لستُ جوفاني فيرغا.

فكيف تعرّف واقعيتك إذاً؟

بكوني أكتب عن عالمنا، وأكتب عن أحداث حقيقية؛ كما في «بندول فوكو»، وفي «اسم الوردة» حين ظن النقاد أن طائفة «الدولتشينيين» هم «الألوية الحمراء».

ألم يكونوا كذلك؟

عندما كنتُ أكتب في ذلك الوقت، أدركتُ أن أنماطاً معينة تكرر نفسها في التاريخ. هذا هو شكلي الخاص من الواقعية. أنا لا أقول مثل فيرغا: «المعلم نتوني يتمخط»، أو كما قال الكاتب الساخر بيتيغريللي (وهو الاسم المستعار لدينو سيغري): «إذا تمخط الناس سُمّي ذلك واقعية، أما إذا ارتدوا قمصاناً بيضاء وتعطّروا فلا يُعدّ ذلك واقعية». أنا أبالغ بالطبع. فهناك أشكال عديدة للواقعية؛ بعض الكتّاب يريدون أن يخبروك كيف يعيش صيادو السمك في صقلية، وآخرون يتظاهرون بأنهم يروون لك قصة مختلفة بينما هم يكتبون في الحقيقة عن واقعك أنت. كتب مانزوني قصة تدور أحداثها في القرن السابع عشر، لكنها كانت في الواقع تتحدث عن عصره هو. تلك هي الواقعية كما أراها؛ واقعية مانزوني لا واقعية فيرغا. وأنا أحيل دائماً إلى مانزوني لأنه يمثل نموذجاً أساسياً بالنسبة إليّ. أريد أن أروي قصة كما فعل مانزوني. ولهذا السبب لا يوجد سوى القليل جداً من الجنس في رواياتي؛ فكما قال هو: «هناك الكثير منه حولنا بالفعل بما يغنيني عن الاضطرار إلى الكتابة عنه».

في «العدد صفر» لا توجد مخطوطة قديمة، ولا توجد حيل سردية أخرى على غرار مانزوني.

حسناً، لو استخدمتُ حيلة المخطوطة لكنتُ أسخر من نفسي وأقلّدها. فكرة المخطوطة هي في الواقع خدعة ماكرة من خدع الواقعية؛ إذ يريد الكاتب التحدث عن شيء قريب وفي المتناول، لكنه يتظاهر بالعودة في الزمن للعثور عليه. إنها، إن شئت، شكل من أشكال «الواقعية الموارِبة».

عام 1992: لم يكن برلسكوني قد دخل معترك السياسة بعد.

وقد نجح هذا التوقيت تماماً، لأن بعض الأمور كانت قد وقعت بالفعل، كما أكتب في الصفحة الأخيرة من الكتاب، وكان من الواضح كيف ستؤول الأمور.

أهذا تصدّعٌ في الزمن؟

لا، بل هي لحظة بدا فيها وكأن الأمور ستتخذ مساراً مختلفاً. ظنّ الجميع أن حملة «الأيدي النظيفة» القضائية ستغير الأوضاع، وظنّ الجميع أن الفساد سينتهي، لكن الفساد وجد لنفسه أشكالاً جديدة ببساطة. كان عام 1992 لحظة تحوّل وانتقال.

وهل كانت «مقبرة براغ» أيضاً نقطة تحوّل؟

لا، لا أعتقد ذلك. تلك قصة تدور حول هوس عنصري.

أشعر وكأن رواياتك غالباً ما ترصد نقاط تحوّل.

إذا كنتَ ترغب في رؤيتها على هذا النحو، فليكن الأمر كذلك. فالقرن الرابع عشر في «اسم الوردة» يمثل أزمة الفلسفة المدرسية (السكولائية) وبداية إرهاصات عصر النهضة. أما «بندول فوكو» فلا تمثل أي تحول. ولعل «جزيرة اليوم السابق» تعكس لحظة عبور حين يبدأ الفتى بتخيل أشياء قد يقولها الفلاسفة لكنهم لم يقولوها بعد؛ خذ مثلاً سماء نصف الكرة الجنوبي التي تدفعك للتفكير في معمار فرانشيسكو بوروميني بدلاً من قبة كاتدرائية «سانتا ماريا ديل فيوري». هذا أيضاً تحول تاريخي. أما في «باودولينو» فلا يوجد شيء من هذا القبيل. ولا يوجد تحول في «الملكة لوانا» لأن قصتين عن البطل تمتزجان معاً: طفولته، والفاشية، وحركة المقاومة.

«بندول فوكو» هي رواية-بوتقة. فهناك أشياء كثيرة فيها لم تطورها لاحقاً، وهنا يأتي دور «العدد صفر».

أعتقد أن «بندول فوكو» هي أهم رواياتي، على الأقل بالنسبة إليّ. ففي الواقع، لقد حشدتُ فيها عدداً لا متناهياً من الأشياء. فمن ناحية، هناك عالم العلوم الخفية (الأوكولت) بأسره، ومن ناحية أخرى هناك تأثير الروايات المسلسلة (Feuilleton)، وإعادة صياغة الأدب القديم. كان من الممكن أن تتطور في مسارات عديدة ومختلفة. ففي نهاية المطاف، نمت بذرة من «البندول»، تتعلق بالروايات المسلسلة واليسوعيين، لتتحول إلى شيء مختلف في «مقبرة براغ». وثمة أشياء كثيرة كانت في «البندول» لم أطورها، مثل ثيمة التجلي الإشراقي المرتبطة بالعزف على البوق في المقبرة.

عندما كتبتَ «العدد صفر»، ألم تكن تخشى الاقتراب أكثر مما ينبغي من اللحظة المعاصرة؟

يظن الجميع أنني أكتب روايات تاريخية. بل إنهم ظنوا أن «بندول فوكو» رواية تاريخية لأنها استحضرت فرسان الهيكل، مع أن أحداثها تدور في الواقع في ميلانو خلال الستينيات والثمانينيات. وتدور أحداث «الملكة لوانا» في الوقت الحاضر مع ذكريات من الحقبة الفاشية. لقد كتبتُ ثلاث روايات على الأقل عن العصر الحاضر، من بينها «العدد صفر». ثلاث مقابل أربع. وإذا كتبتُ رواية عندما أبلغ المائة من عمري، فستكون الحصيلة أربعة كتب تدور في الحاضر مقابل أربعة في الماضي.

أليس في ذهنك قصة أخرى؟

عادةً ما يستغرقني الأمر ست أو سبع سنوات بين الرواية والأخرى. تعالَ لزيارتي عندما أبلغ التسعين. حين أنهيتُ «اسم الوردة» لم يكن في ذهني أي شيء آخر. ثم قلتُ لنفسي: ترى ماذا عساه يسكن ذاكرتي أيضاً؟ عندها فكرتُ في واقعة البوق في «بندول فوكو». لكن كيف يمكنني أن أبدأ ببندول وأنتهي ببوق؟ استغرقني العثور على الحل ثماني سنوات.

كم استغرقتَ في كتابة «العدد صفر»؟

لم أستغرق وقتاً طويلاً على الإطلاق. فروايات مثل «مقبرة براغ» و«جزيرة اليوم السابق» تتطلب مني قراءة رفوفٍ تلو رفوف من الكتب. أما في هذه الرواية فكان كل شيء حاضراً في ذاكرتي القريبة، وفيما يخص موت موسوليني لم يكن عليّ سوى البحث عن مذكرات المقاتل الحزبي «بيدرو»، أو تقرير تشريح الجثة. كان كل شيء متوفراً هناك. استغرقني الأمر عاماً واحداً في المجمل.

هل تقضي عادةً وقتاً طويلاً في إعادة الكتابة والتحرير؟

عادةً نعم، لكن في هذه الرواية كان الأمر أقل. لديّ صناديق مليئة بالأوراق لبقية الروايات.

لماذا تطلّبت هذه الرواية تحريراً أقل؟

ربما لأنني واجهتُ مشكلات أسلوبية أقل، وإشكالات أقل في تطويع كمٍّ هائل من المواد التاريخية. كانت لديّ محذوفات أقل وتعديلات أقل لإجرائها على النص. أو لعل السبب هو أنني كنتُ في مرحلة انسابت فيها الكتابة بهذا الأسلوب الغنائي السلس (Cantabile) بصورة طبيعية، فتقبلتُه كما هو. تتيح لك أجهزة الكمبيوتر في أيامنا هذه كتابة كل فصل وإعادة كتابته عشر مرات على الأقل، حتى إنك بالكاد تلاحظ أنك تفعل ذلك. إذا عدتُ ونظرتُ في المسودات المعاد كتابتها لرواياتي السابقة، أدرك أنني أجريتُ عدداً هائلاً من التغييرات. ففي «جزيرة اليوم السابق»، وضعتُ أمام نفسي تحدياً يتمثل في الاقتصار على استخدام الكلمات والمصطلحات التي كانت موجودة في العصر الباروكي. وقد قادني ذلك إلى قدر كبير من البحث لأنني كنتُ أكتشف أن هذا المصطلح أو ذاك لم يكن قيد التداول آنذاك، ثم أذهب لقراءة دانييلو بارتولي فأعلم أنه قد استخدم المصطلح بالفعل. وفي مجموعة المخطوطات التي تحتفظ بها ماريا كورتي (في مركز المخطوطات بجامعة بافيا)، توجد مئات الأوراق من مخطوطاتي مليئة بقوائم لا تنتهي من الكلمات وأسماء الزهور وما شابه. أما كتابة رواية تدور أحداثها عام 1992 فأمر مختلف تماماً؛ فسيارة «ميني موريس» هي «ميني موريس»، وسيارة «ساب» هي «ساب».

وماذا عن قائمة السيارات الخاصة ببراغادوتشيو التي أراد شراءها لكنه لم يفعل قط؟

إنها أحد ملفاتي الخاصة؛ فقد استخدمتُها عندما كنتُ بحاجة إلى شراء سيارة جديدة.

أيعني هذا أنك استخدمتَ ملاحظاتك الشخصية هنا أيضاً؟

تمكنتُ من العثور على جدول كنتُ قد أعددتُه للسيارات المعروضة للبيع والتي كانت تستحق النظر فيها. تدور أحداث الرواية عام 1992، وكانت ملاحظاتي تعود إلى عام 1994، ففكرتُ أن عامين لم يكن من شأنهما إحداث تغييرات جذرية كثيرة في طرازات السيارات.

وهل استخدمتَ أيضاً مقالات عمودك الشهير «علب ثقاب مينيرفا» (La Bustina di Minerva) في مجلة «إسبريسو»؟

بالطبع فعلت. واستخدمتُ مقالات أخرى عن الصحافة أيضاً. هذا من حقي.

نعم، هو كذلك. لقد عملتَ في أحيان كثيرة عن طريق بناء مقالات سبق لك كتابتها ثم تفكيكها وتدميرها. أيمكن القول إن هذه التقنية خاصة بك وحدك؟

نعم، أنا أعشق فن الكولاج (التلصيق).

حتى عندما تكون الكتابة أكثر تعقيداً، كما في «البندول»؟

ولعي بالكولاج هو ولعٌ بجعل شخصيات معينة تنطق بأشياء قالتها بالفعل في الواقع. بعد صدور «مقبرة براغ»، قال ناقدٌ شديد الغباء إنني سرقتُ نصوصاً من جوزيبي تشيزاري أبا (Giuseppe Cesare Abba). والحال أن «أبا» هو شخصية في كتابي، وقد وضعتُ على لسانه الكلمات التي كتبها هو فعلياً في كتابه «من كوارتو إلى فولتورنو» (Da Quarto al Volturno). أردتُ أن أكون دقيقاً من الناحية التاريخية. وقد فعلتُ ذلك في جميع رواياتي.

هل الكولاج تقنية حداثية أم ما بعد حداثية، في نظرك؟

لعلني تأثرتُ بالاثنتين معاً، وبماكس إرنست. إنها تقنية نموذجية وشائعة جداً في الأدب الحديث.

في «العدد صفر»، يرتبط الفن، والجانب البصري من عملك، بأماكن وشوارع محددة.

نعم، لقد تجولتُ كثيراً في أرجاء ميلانو القديمة.

لا توجد رؤى كبرى، ولا تحف أو مقتنيات فنية.

أفترض أن الشخصيات لم تكن تمتلك أياً منها.

إنهم باهتون ورماديون بعض الشيء.

صحيح.

لماذا؟ حتى براغادوتشيو نفسه، المصاب بالبارانويا، يبدو شخصية رمادية باهتة إلى حد ما.

أتذكر أن البرنامج التلفزيوني الساخر «الضباع» (Le Iene) سأل أعضاءً في مجلس الشيوخ، وهم في طريقهم لدخول البرلمان للتصويت على انتخاب رئيس الجمهورية، عمّن كان أول رئيس لإيطاليا؛ فأجاب كثير منهم بأنه «دي غاسبيري». هؤلاء الناس رماديون باهتون، ولا ذاكرة لهم.

أهذا جهل أم غباء؟

هذه ثيمة أخرى تعالجها كتبي: تسطيح كل شيء في حاضرٍ أحادي البعد، بلا أي بُعد للماضي. فإذا سألتَ الناس عن شخصيات تاريخية، يتجلّى هذا الأمر بوضوح مؤلم؛ إذ قد يقول لك أي شخص دون الثلاثين من عمره إن هتلر التقى بموسوليني عام 1970.

ثيمة «الروح الطلابية الساخرة» (Goliardia) حاضرة دائماً في كتبك. يُقدَّم كولونا كطالب في بداية الرواية، وتظل شخصياتك طلاباً سابقين طوال حياتهم.

نعم، أفترض أنهم كذلك. فأنا أكتب عن أناس قرأوا الكتب.

أَهُم طلابك السابقون؟

لا، إنهم جميعاً أنا. فلم أذهب للقتال في الفيلق الأجنبي، ولذلك أكتب عن أشياء تشكّل جزءاً من ماضيي، عن الكتب في الأساس، وعن أناس يعيشون في بيئة ثقافية معينة. لن أعرف كيف أكتب تاريخ عامل في مصنع أو السيرة الذاتية لبغيّ، كما فعل دانيال ديفو. لن أكون قادراً على ذلك. فـ«مدام بوفاري ليست أنا».

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *