وُلد ليو فيري (Léo Ferré) في 24 أغسطس 1916 بإمارة موناكو، ونشأ في أسرة متوسطة الحال؛ كان والده يعمل في إدارة كازينو مونت كارلو، بينما كانت والدته تعمل في الخياطة. أظهر اهتمامًا مبكرًا بالموسيقى، والتحق في طفولته بجوقة كاتدرائية موناكو، حيث تعرّف إلى الموسيقى الكلاسيكية وأعمال كبار المؤلفين. لكنه قضى سنوات طويلة في مدرسة داخلية دينية بمدينة بورديغيرا الإيطالية، وهي تجربة تركت أثرًا عميقًا في شخصيته، وعززت نزوعه إلى التمرد ورفض السلطة.
انتقل فيري إلى باريس عام 1935، وكان يطمح إلى دراسة الموسيقى، لكن رغبة والده دفعته إلى دراسة الحقوق والعلوم السياسية، وحصل على دبلوم في العلوم السياسية عام 1939. وخلال الحرب العالمية الثانية عاد إلى موناكو، ودرس التأليف الموسيقي والتوزيع، ثم عمل في إذاعة مونت كارلو عازفًا ومعدًا للبرامج الموسيقية، وبدأ تسجيل أغنياته الأولى. وفي عام 1946 انتقل مجددًا إلى باريس، حيث بدأ مسيرته الفنية في الملاهي والمسارح الصغيرة، وسط صعوبات مادية وفنية حالت دون تحقيق الشهرة سريعًا.
جاءت نقطة التحول مع أغنية «باريس كاناي» (Paris Canaille)، التي حققت نجاحًا بصوت المغنية كاترين سوفاج، وفتحت أمامه أبواب صناعة الأغنية الفرنسية. وأصدر خلال الخمسينيات عددًا من أعماله المهمة، من بينها ألبوم «بيانو الفقير» (Le Piano du pauvre)، لكنه لم يحصر تجربته في الأغنية التقليدية؛ فقد اتجه إلى تلحين قصائد كبار الشعراء الفرنسيين، وأصدر عام 1957 ألبوم «أزهار الشر» المستوحى من أشعار شارل بودلير، ثم قدم أعمالًا مستندة إلى شعر لويس أراغون وبول فيرلين وآرثر رامبو وغِيوم أبولينير.
وفي ستينيات القرن العشرين، بدأ فيري يحقق حضورًا جماهيريًا واسعًا، خصوصًا مع ألبوم «أغاني أراغون» (Les Chansons d’Aragon) الصادر عام 1961، وألبوم «فيرلين ورامبو» (Verlaine et Rimbaud) عام 1964. ولم يقتصر نشاطه على الغناء والتلحين، بل كان شاعرًا وكاتبًا، وأصدر عددًا من المجموعات الشعرية والكتابات النثرية، من بينها روايته «بونوا ميزير» (Benoît Misère). كما عُرف بمواقفه الأناركية وانتقاداته الحادة للسلطة والمؤسسات الاجتماعية والسياسية، وهي مواقف انعكست بوضوح في أغنياته، ومن أشهرها «الأناركيون» (Les Anarchistes).
شهدت السبعينيات مرحلة نضج فني مهمة في مسيرته، وقدم خلالها عددًا من أبرز أعماله، مثل «مع مرور الزمن» (Avec le temps) عام 1971، التي أصبحت واحدة من أشهر الأغنيات الفرنسية، و«لا شيء بعد الآن» (Il n’y a plus rien) عام 1973. كذلك حقق حلمه القديم في قيادة الأوركسترا السيمفونية، وقدم حفلات جمع فيها بين الغناء وقيادة الموسيقيين، في تجربة غير مألوفة في عالم الأغنية الفرنسية.
وفي سنواته الأخيرة، ابتعد فيري عن الحياة الفنية الباريسية، واستقر في الريف التوسكاني بإيطاليا، مواصلًا التأليف والتسجيل والحفلات. وكان آخر ألبوماته «موسم في الجحيم» (Une saison en enfer)، الصادر عام 1991، والمستند إلى قصيدة آرثر رامبو الشهيرة. توفي في 14 يوليو 1993 في كاستيلينا إن كيانتي بإيطاليا، عن عمر ناهز 76 عامًا، تاركًا وراءه تجربة فنية استثنائية جمعت بين الشعر والموسيقى والتمرّد.