Home / أدب / مقتطفات من الأشعار الفرنسية – راينر ماريا ريلكه

مقتطفات من الأشعار الفرنسية – راينر ماريا ريلكه

الشاعر راينر ماريا ريلكه

ترجمة: كاظم جهاد

بساتين1924-1925


—
هذا المساء يدفعُ قلبي إلى الغناءملائكةٌ تتذكرصوتٌ، كأنه صوتي،بوفرةٍ من الصمتِ مغوي،
يُحلق ويقررألا يعود أبدًا؛في حُنوهِ وفي جَراءتهبم هو ذاهبٌ ليتّحدَ؟
—
يا قنديل المساء يا مُسامِري الهادئأنتَ عن قلبي لم تكشفْ؛(ربما كان الواحدُ سيضيع فيه؟)، لمن مُنحدرهمن ناحية الجنوب مُضاءٌ برقة.
أنتَ أيضًا، يا قنديل التلميذ،من يريد أن يتوقف هذا الذي يقرأمن هنيهةٍ لأخرى، مندهشًا، ويضطربفوق كتابه، فيما إليك ينظر
(وتشطبُ بساطتُك ملاكًا)
—
ابقَ رابط الجأش إذا مافجأة هبطَ على طاولتك الملاك،وبرفقٍ امحُ بعض التجاعيدالتي يرسمها السماط تحت رغيفك.
من زادكَ الشظف فلتُهدِه،ليذوقه بدوره،وإلى شفته النقية يرفعَقدحًا يوميًا بسيطًا.
—
كم من مسارّة غريبةهمسنا بها للأزهار،ليقول لنا هذا الميزانالمُرهق وزن حُميانا.
الكواكب كلها مرتبكةلأننا بكآباتنا نجمعُها.ومن أقواها حتى الأوهنلا واحدَ عادَ ليحتمِل.
مزاجَنا القلب،تمردنا، صرخاتنا -،إلا المائدة التي لا تكلوالسرير (المائدة المتلاشية).
—
كل شيء يحدث تقريبًاكما لو يُعاب على التفاحةأنها للأكل تصلح.ولكن تبقى مخاطر أخرى.
خطرُ تركها على الشجرة،وخطرُ نحتها في المرمر،والأخير، وهو الأفظع،أن نلومها لأنها من الشمع.
—
لا أحد يدرك كم يحكمناما يرفض اللامرئي أن يهبناعندما للحيلة غير المرئيةتستسلم، خفية، حياتنا.
ببطء، على هوى التجاذبات،يتنقل مركزناليكون القلب بدوره هناك:هو، سيد الغيابات العظيم أخيرًا.
—
راحة يد
يا راحة اليد، يا فراشًا ناعمًا مجعدًافيه تركتنجومٌ غافيات ثنيّاتعندما إلى السماء صعدنَ.
هل كان هذا الفراش بحيثُيلفين أنفسهن مرتاحات،جليات ولاهبات،بين الكواكب الأصدقاءفي اندفاعها الأزلي؟
يا لفراشَي كفّيّالمهجورين الباردَين،والخفيفين بفعل الوزن الغائبلكواكب البرونز هذه.
قرن الخصوبة
أيها القرن الجميل من أينعلى انتظارنا تنحني؟أنت يا من لستَ سوى منحدرفي [شكل] كأس زهرة، ألا انسَكب!
أزهارٌ، أزهار، أزهار،بسقوطها تصنع سريرًاللاستدارات المتوثبةلثمارٍ يانعة كثيرة!
وهذا كلّه دون انتهاءيهاجمنا ويندفع،ليعاقب تقصيرقلبنا المترع من قبل.
يا قرنًا مفرط السعة، أيةمعجزة عبرك تتحقق!يا بوق الصيد، أنت يا من تصدحفي نفس السماء بأشياء!
مثلما يعرف قدحٌ من البندقيةفي ولادته هذا الرماديوالسطوع المترددالذي سيهيم هو به،
فهكذا يداك الحانيتانحلمتا بادئ ذي بدءبأن تكونا الميزان المتمهلللحظاتنا المفرطِ امتلاؤها.
—
شذرة عاج
أيها الراعي العذب يا من تبقىبحُنو بعد انتهاء دوركمع بقايا نعاجعلى كتفك.أيها الراعي العذب يا من تبقىفي عاجٍ مصفرّبعد لعبك الرعياني.إن قطيعك المتقوّضليدوم مثلكفي الكآبة المبطئةلمحياك المسعفوفي اللانهاية يُلخصاستراحة مراع نشيطة.
—
عابرة الصيف
أترى وهي تُقبل على الدرب، المتنزهة،هذه التي نحسدها، الهانئة، المتريّثة؟في منعطف الدرب ينبغي أن يحييهاسادةٌ من الأمس، بهيّون.
تحت مظلتها، بلطافة خاملة،تستثمر الخيار العذب:تمحي برهة أمام النور المفرط المباغتة،ثم تسترجع الظل الذي به تستضيء.
مع تنهدةِ الصديقةيرتفع الليلُ كله،السماء المنبهرة تعبرهامداعبة وجيزة.
كما لو كانت قوة عناصريةفي الكون تصبحثانية أمكل حب يضيع.
يا ملاكًا صغيرًا من الخزف الصيني،لو حدث أن يرمقوك بنظرة ازدراء،فنحن عندما كانت السنة ملأى،وهبناك قلنسوة من توت العليق.
بدا لنا باطلاً حقًاأن نضع لك هذه القلنسوة الحمراء،لكن مذذاك بات كل شيء يتحركإلا تاجك الرخص، تاج البارون.
يابس هو، بيدَ أنه صامد،ونخالُ أحيانًا أنه يتضوّع؛متوجة بشبحجبهتُك الصغيرة تتذكر.
معبدُ الحب من يأتي ليكمله؟كلٌ يذهب منه بعمود؛وفي الختام يندهش الكلمن أن الإله بدوره
بسهمه يحطم السياج.(هكذا نعرفه.)وعلى هذا الجدار المهجورتنمو المناحة.
يا ماء يندفع ويركض -، يا ماء ينسىإن الأرض الشاردة تشرب،ألا تردد في يدي المجوفة للحظة،تذكر!
يا حبًا جليًا، ومسرعًا، يا عدم اكتراث،يا شبه غياب يركض،بين وصولك الكثير ورحيلك الكثيريرتعش بعض إقامة.
—
النافورة
لا أريد درسًا آخر سوى درسكِ أنتِيا نافورةٌ تعاود السقوط في ذاتها من جديد،درس المياه المجازف بها والتي بها تليق.عودة سماوية كهذه إلى الحياة الأرضية.
لا لشيء أن يخدمني أمثولةبقدر همسكِ المتعدد؛أنتِ، يا عمودًا خفيفًا في المعبدالذي، بفعل طبيعته، يتهدم.
في سقوطكِ كم يتشكل [باسنجام]كل خرطوم ماء يُنهي رقصتَه.
وكم أحسّ بي تلميذًا، منافسًالتلوّناتكِ التي لا تُحصى!
أكثر من غنائك تحمسني إليكلحظة السكون الهذياني هذهعندما إلى الليل، خلل اندفاعكِ السيّال،تنتقل عودتك الخاصة، وترجعها نفحة.
ما أحلى أن أشاطرك الرأي أحيانًا،يا شقيقي البكر، يا جسدي.ما أحلى أن أغدو قويًابقوتك،أن أحس بك ورقة، لحاء، جذعًا،وكل ما تقدر أن تكون أيضًا،أنت، البالغ القرب من الروح.
أنت البالغ الصراحة، يا من تتجمعفي جلي فرجكفي أن تكون شجرة الإيماءات هذهالتي تبطئ لهنيهةسيرَ السماواتلتجلّ فيه حياتها.
—
الإلهة
في الظهيرة الفارغة والغافيةكم من المرات تمر هي،ولا تخلف على السطيحةأدنى انطباع [بمرور] جسم.
لئن كانت الطبيعة بها تحس،فإن عادة اللا مرئيّإلى إطارها المرئي المرهف تعيروضوحًا رهيبًا.
—
بستان
-1-لئن جرؤت على الكتابة بكِيا لغة مُعارة، فربما لكي أستخدمهذا الاسم الريفي الذي وحده سلطانه الفريديؤرقني منذ الأزل: Verger
ياللشاعر المسكين هذا الذي عليه أن يختارليقول كل ما ينطوي عليه هذا الاسم،تقريبات بالغة الغموض تترنح،أو أسوأ منها: السياج الذي يصد.
“فيرجيه”: يا لامتياز قيثارفي أن يقدر على تسميتك ببساطة؛اسم لا نظير له يجتذب النحل،اسم يتنفس وينتظر…
اسم ساطع، يتخفى وراءه الربيع الأقدم،ممتلئ، وبالقدر نفسه شفاف،وفي مقاطعه المتساوقةيضاعف الكل ويفيض.
-2-
صوبَ أية شمس تتدافعكل هذه الرغائب المُثقِلة؟ذلك التوقد الذي تذكرونأين يا ترى مجرّته؟
لكي يسرّ أحدنا الآخر،أيجب هذا الإلحاف كله؟لكن خفيفين وخفيفاتعلى الأرض المشتغلةبهذه القوى المتنابذة كلها.
أنعموا النظر إلى البستان:لا مناص من أن يثقل؛ومع ذلك فمن هذا العسر نفسهيصنع هو سعادة الصيف.
-3-
أبدًا لا تكون الأرض أكثر حقيقيةمما في أغصانك أيها البستان الأشقر،ولا أكثر عومًا مما في الدنتيلتضفره ظلالك على الحشيش.
هنا يقوم ما يتبقىلنا، ما يثقل وما يغذيمع المرور المتجليلحنو لا انتهاء له.
لكن في مركزك، النافورة الوادعة،شبه النائمة في دائرتها العتيقة،عن هذا التضاد الرائع لا تكاد تتحدث،لفرط ما هما ممتزجان.
-4-
ببركتها ما تفعل،كل هذه الآلهة العاطلة،التي يدفعها ماضٍ ريفيّلأن تكون عاقلة وطفولية؟
كأنها محجّبةبصخب حشرات عاكفة على الجنْي،هي ذي تدوّر الثمر؛(مشغلة إلهية).
فلا أحد منها ليمحيمهما هُجر،ومن يهددوننا أحيانًاهم آلهة متبطلون.
-5-
ألديّ ذكر، ألديّ آمال،وأنا أحدق بك يا بستاني؟إنك حولي لتشبَع، يا قطيع خصبوإلى التفكير تدفع راعيك.
دعني، خلل أغصانك، أتأملالليلة المؤذنة بالابتداء.عملت؛ وكان هذا لي يوم أحد -،بفضل استراحتي هل تقدمتُ؟
ما أعدل أن تكون راعيًا أخيرًا؟أيمكن أن يكون بعض سلاميتغلغل اليوم برفق في تفاحاتك؟فأنا، كما تعلم، على رحيل.
-6-
ألم يكن هذا البستان كله،ثوبك المنير المحيط بكتفيك،أو لم تشعر إلى أي حد يُعزّيحشيشه اللدن الذي كان تحت قدميك يتجعد؟
كم مرة، بدل النزهة،فرضَ نفسه بأن يكبر؛وكان هو والساعة الهاربةمَن، في كيانك المتردد، يمران.
كان كتابٌ يرافقك أحيانًا…لكن نظرتكَ المسكونة بأشياء متزاحمة.في مرآة الظل كانت تواصللعبًا قُلبًا لمشابِه بطيئة.
-7-
ياللبستان السعيد العاكف على إكمالالمستويات التي لا تُحصى لجميع ثماره،والذي يعرف أن يخضع غرائزه العريقةلشباب لحظة.
ياللعمل العذب، يالنظامك من نظام!طويلاً يتمهل عند الأغصان المبرومة،ومفتونًا أخيرًا بقوتها،يفيض في سكون فضائي.
أليست مخاطرك ومخاطريمتآخية، يا بستان، يا أخي؟الريح نفسها، الآتية إلينا من بعيد،تلزم بأن نكون حانيين، وزاهدين.
جميع أفراح الأسلاففينا مرت وهي ذي تتراكم؛قلبهم، الثمل بالصيد،واستراحاتهم الصموت
أمام نارٍ شبه مطفأة…وإذا ما، في اللحظات العجاف،فرغت منا حياتنا،فبهم سنظل ممتلئين.
وكم من نساء كان عليهنّأن يهربن فينا، سالمات،مثلما في لحظات الاستراحةفي مسرحية لم ترق،
مزينات بشقاء لا أحدليريده اليوم أو يحتمله،يتراءين قوياتإلى دمِ الغير مستندات.
وأطفالٌ، أطفال!جميع أولئك الذين يرفضهم الحظ،فينا يجربونحيلة الوجود مع ذلك.
—
بورتريه داخلي
ليست الذكرهي ما يصونك في؛وأنتِ لست عائدة إليبقوة رغبةٍ جميلة.
ما يهبكِ الحضورهو المنعطف اللاهبالذي يتبعه حنان متمهلفي دمي نفسه
لا حاجة بيلرؤيتك تتجلّين؛كفاني أن أولدلأضيعك أقل.
كيف أميز من جديدما كانته الحياة العذبة؟ربما بأن أتأملفي راحة يدي صورة
هذه الخطوط وهذه التجاعيدالتي نصونبأن نطبق على الفراغهذه اليد التي هي للاشيء.
الشائق سفرٌ.شيء منا، بدل أنيتبعنا فهو يتنحىويتعود السماوات.
اللقاء القصيّ للفنأليس هو الوداع الأعذب؟والموسيقى: هذه النظرة الأخيرةالتي نصوّبها نحن أنفسنا إلينا؟
كم من المرافئ مع ذلك، وفي هذه المرافئكم من الأبواب ربما استقبلتْك.كم من نوافذتُلمح فيها حياتك وجهدك.
كم من البذور المجنحة للمستقبلتتنقل على هوى العواصف،وفي يوم عيد شديد العذوبةسترى ازهرارها عائدًا إليك.
كم من الحيوات تتجاوب أبدًا؛وبالانطلاقة التي تتخذها حياتكمع انتمائها إلى هذا العالم،ياللعدم الفخم المجازف به أبدًا!
أليس محزنًا أن تنطبق أعيننا؟نود لو كانت عيوننا مفتحة أبدًا،لأننا أبصرنا قبل الأوانكل ما نفقد.
أليس فظيعًا أن أسنانا تلتمع؟يلزمنا سحر أكثر تكتمًالكي نحيا في عائلةفي زمن السلم هذا.
لكن أليس الأسوأ أن أيدينا تتشبث،بنهم وقسوة؟ينبغي أن تكون الأيدي بسيطة وطيبةلتقديم القربان!
ما دام الكل يزول فلنعزفالترنيمة العابرة؛هذه التي تروينا من ظمأستتفوق علينا.
بمحبة وفنلنغن ما يهجرنا؛ولنكونن أسرعمن أسرع رحيل.
أمامنا غالبًا ماتندفع الروح – الطائر؛إن سماء أعذبلمن قبل أن تؤرجحها،
فيما نحن نسيرتحت غيوم كثيفة.من رشاقتها اللاهبةفلنُفد، فيما نكدح.
مرئية من لدن الملائكة، ربما كانت ذوائب الشجرجذورًا تشرب السماوات؛وفي التربة، الجذور العميقةللزان تبدو لهم ذرى صامتة.
ألا تبدو لهم الأرض شفافةفي مواجهة سماءٍ ملأى كمثل جسد؟هذه الأرض اللاهبة، حيث ينوحفي جوار الينابيع نسيان الأموات؟
يا جميع أصدقائي، إنني لا أنكرأيًا منكم، ولا حتى ذلك العابرالذي لم يكُ من الحياة الفائقة التصورسوى نظرة وديعة، مفتوحة ومترددة.
كم مرة يوقف كائن رغمًا عنهبعينه أو بإيماءة منههرَبَ الآخر، الخفي،بأن يحيل له لحظة مرئية.
المجهولون. لهم نصيبهم الواسعمن حظنا الذي يُتمه كل يوم.صوّبي جيدًا، أيتها المجهولة المتكتمة،إلى قلبي الشارد، إذ تصوبين نظرك.
بجعة تتقدم على صفحة الماءمحاطة بنفسها تمامًا،كمثل لوحة تنزلق؛هكذا في بعض اللحظاتيكون كائن نحبهفضاء بأكمله متحركًا.
مزدوجًا يدنو،كهذه البجعة التي تسبح،على [مدى] روحنا المرتبكة…التي، إلى هذا الكائن، تضيفالصورة الراجفةصورة هناءةٍ وريبة.
ياللحنين للأماكن التي لم تُحبفي الساعة العابرة بما فيه الكفاية،كم أود لو أُرجع إليها من بعيدالإيماءةً المسية، الفعل الإضافي.
أن أعود أدراجي، وبهدوء أستأنف- وحدي هذه المرة – ذلك السفَر،متمهلاً عند النافورة،لامسًا هذه الشجرة مُداعبًا تلك المِصطبة…
ثم أن أصعد إلى المُصلى المتوحّدالذي يحسبه الجميع بلا نفع؛أن أدفع سياج تلك الجبّانة،وأصمت كما تصمت هي الصامتة الكبيرة.
أو ليس هذا هو الزمن الذي ينبغي فيهأن نقيم تواصلاً حاذقًا وورعًا؟إن كان هذا قويًا فلأن الأرض قوية؛ولئن كان ذاك يتشكى: فلأننا لا نعرفها.
هذا المساء خطر في الجو شيء مايجعل المرء يحني رأسه؛نود لو نصلي من أجل السجناءالمتوقفة حياتهم.وبالحياة الواقفة نفكر…
بالحياة التي لم تعد لتخطو صوب الموتوالغائب عنها المستقبل؛التي ينبغي أن نكون فيها أقوياء عبثًاوعبثًا حزانى.
حيث تراوح في مكانها كل الأيام،وتسقط الليالي مجتمعة في الهاوية،وحيث إلى هذا الحد يتلاشىوعي الطفولة الحميم،بحيث يكون القلب أكثر هرمًا من أن نفكر بطفل.وليس هذا لأن الحياة مُناوئةً،بل لأننا نكذب عليها،محبوسين في سماكة نصيب لا حراك له.
—
النائمة
مُحيا امرأة مُنغلق علىرقادها، فكأنما تذوقصخبًا لا يشبه أي صخبيملؤها كلها.
من جسدها المِرنان النائمتستمد متعةَمواصلة البقاء كمثلِ همسةتحت نظر السكون.
—
الظبية
آه يا ظبية: أي داخل جميللغابات عتيقة في عينيك يفيض؛كم من التطامن المنتشر دائريًاممتزجًا بكم من الخوف.
هذا كله، تحمله الرشاقةالحيوية لوثباتك.لكن أبدًا لا شيء يحدثلجهالة جبينك هذه،غير المستحوِذة.
قفوا قليلاً، ولنتحدث.أنا أيضًا من يتوقف هذا المساء،وأنتم أيضًا من إليّ تصغون.
بعد هنيهات سيلعب آخرونلعبة الجيران على قارعة الطريقتحت هذه الأشجار الجميلة التي نعيرها لبعضنا البعض.
كل وداع قمتُ به. أسفارٌ كثيرةهذّبتني ببطء منذ الطفولة.بيد أنني أرجع ثانيةً وأعاود البدء،نظرتي يعتقها هذا العَود الصريح.
ما يبقى لي هو أن أملأها،وفرحي اللا رادع له،لكوني أحببت أشياء شبيهةبهذه الغيابات التي تدفعنا إلى الفعل.
—
شلال صغير
يا حورية تتزيى أبدًابما يعرّيها،ليتحمس جسدكِ من أجلالموجة المدورة الخشنة.
بلا انقطاع تغيرين ثوبك،بل شعرك أيضًا؛ووراء كل هذا الهروب تبقىحياتكِ خالصَ حضورٍ.
بلادٌ معلقة في منتصف الطريقبين السماوات والأرض،بأصوات الماء والبرونز،رقيقةً وصلبةً، فتاةٌ وشائخة،
كمثل قربان يُبسَطإلى أيدٍ تستقبله بحفاوة:بلادٌ جميلة مكتملة،حارة كمثل رغيف خبز!
وردة من النور، جدار يتفتت،ولكن على منحدر الكثيبهذه الزهرة العالية التي تترددفي إيماءاتها [المستعارة] من بروسريينا.
لعل ظلالاً كثيرة تتسللإلى نسغ هذه الكرمة؛وهذا الضوء المفرط الذي يتخبطفوقها، مموهًا الطريق.
إقليمٌ عريق ذو أبراج تُلحطالما الأجراس تتذكر،على نظراتٍ، دون أن تكون مكتئبة،تكشف عن ظلالها القديمة باكتئاب.
كروم تنفد فيها قوى كثيرةعندما تُذهبها شمسٌ رهيبة…وفي البعيد هذه الفضاءات التي تلمعكمستقبلات نجهلها.
منحنى مرهف على امتداد اللبلاب،دربٌ شارد تستوقفه المعاز؛ نورٌ فاتن سيود صائغأن يسوّره بحجر.
شجرة حورٍ في موضعها الصحيح،بامتدادها العمودي تُجابهالخضرة القوية المتريثةالتي تتطمى وتنبسط.
—
الناقوس ينشد
بأفضل مما يفعل بُرج دنيوي،أسخنُ أنا لينضج فيّ الرنين.ألا ليكن طيبًا وعذبًافي [أُذن] نساء الفاليه.
كل أحد، نغمة بعد نغمة،أرمي إليهن بهباتي؛فليطيبنّ رنينيفي [أُذن] نساء الفاليه.
ليكن رقيقًا وطيبًا؛مساء السبت في الأباريققطرة قطرة يهمي رنينيلرجال الفاليه، [رفاق] الفاليزيات.
السنةُ دائرةٌ حول محورثبات [دنيا] الفلاحين؛العذراء والقديسةُ آنتقولان كل واحدة كلمتها.
كلماتٌ أخرى تنضاف،كلمات أقدم،هي جميعًا تبارك،ومن الأرض تطلع
هذه الخضرة الخاضعةالتي، بجهد طائل،تهب العنقود العالقبيننا نحن والأموات.
[مسحةٌ] وردية وخبازية في وسط العشب العالي،رمادي خاضع، الكرمة المصطفة…لكن فوق المنحدراتِ زهوسماء محتفية، سماء أميرية.
بلادٌ لاهبة تتدرج بنبالةصوبَ هذه السماء الكبيرة التي، بنبالة، تفهمأن ماضيًا شظفًا يتعهد أبدًابأن يكون عنفوانًا ويقظة.
كل شيء هنا يغني حياة الأمس،لا بمعنى يقوّض الغد؛نخمن السماء والريح، واليد والخبزباسلين في عنفوانهم الأول.
ليس ماضيًا هو ما ينتشر في كل مكانمُثبتًا إلى الأبد هذه الأطر القديمة:إنها الأرض مسرورة بصورتهاوليومها الأول مرتضية.
ياللهدوء الليلي، ياللهدوءمن السماء فينا يتغلغل.كأنه في راحات الأيدي يكررالرسم الأساسي.
الشلال الصغير يغنيليخبئ حوريته المنفعلة…نحس بالحضور الغائبالذي كان الفضاء قد شربه.
قبل أن تعدّوا إلى العشرةيتغير كل شيء: وعن الأعوادالعالية للذرة تنزعالريح هذا النور [كله]،
لتقذف به في مكان آخر؛إنه يحلّق وينزلقعلى مدى هاويةصوب نور شقيق
بدوره ينتقل،وقد عَلِقت بههذه اللعبة القاسية،إلى آمادٍ أخرى.
السطح العريض يبقىكأنه دوعِبمبهورًا بهذه الإيماءاتالتي ربما كانت هي من صاغته.
نهجٌ ينعطف ويلعبعلى مدى الكرمة المنحنية،كمثل شريط يُعقدحول قبعة صيفية
الكرمة: قبعة على الرأسالذي يبتكر النبيذالنبيذ: نيزكٌ ملتهبموعودٌ به للسنة القادمة
السواد الصارم هذا كلهيجعل الجبل يبدو أكثر عمرًا؛وهذا البلد البالغ القدمهو الذي يضم القديس شارلمان
بين آبائه القديسين.لكن من العلاء تأتيهجميع فتوّات السماء[ممتزجة] بفتوته السرية.
الياسمينة البرية الصغيرةترتمي خارج السياج المتشابك،مع هذا اللبلاب الأبيض الذي يرصداللحظة [المؤاتية] لينغلق.
هذا يصنع على مدى النهجباقات تحمر فيها عنبيات.من الآن؟ هل الصيف يا ترى في أوجِه؟إنه يتخذ الخريف شريكًا.
بعد نهار عاصف،في سلام دون انتهاء،يكون المساء متصالحًاكمثل عاشق مطواع.
كل شيء يصبح هدوء ونورًا…لكن في الأفق يتنضد،مضاء ومذهبًا،رسمٌ من الغيوم محفور، ساحر.
مثلما يكون من يتحدث عن أمهشبيهًا بها فيما يتحدث،فهذه البلاد اللاهبة تروي ظمأهابأن تتذكر بلا انتهاء.
طالما عادت أكتاف الكثبانتحت الإيماءة البادئةلهذا الفضاء النقي الذي يُرجعهاإلى دهش الأصول.
الأرض هنا محاطةبما يليقبدورها الكواكبي؛ بتواضعوحُنو، تحمل هي هالتها.
عندما ترتمي نظرةٌ: فيا للطيرانعبر هذه المسافات الصافية؛يلزمنا صوتُ شحرورلكي نقيسه.
من الساعة المفضضة هو ذا ثانيةًمعدنها الخالص ممتزجًا بحلاوة المساءإلى الجمال المتمهل هو ذا يضيفالرجوعات المتمهلة لهدوء موسيقي.
الأرض القديمة تستدرك نفسها وتتغير:كوكبًا خالصًا يبقى بعد زوال أعمالنا.ألوان الصخب، فيما تودع النهار،تنتظم ثم جميعًا تندس في خرير المياه.
على امتداد الدرب المغبر.الأخضر يقارب الرمادي؛لكن هذا الرمادي، على خضوعه،يحمل فضة وزرقة.
أعلى، عند مستوى آخر،تكشف شجرة صفصافللريح عن قفا ورقها الساطعأمام سواد شبه أخضر.
على مقربة، خضرة مجردة،خضرة رؤياوية شاحبة،تحيط بخلفية من الهجران،البرج الذي يقوضه الزمان.
الهجران المزهو [تعرضه] هذه الأبراجالتي مع ذلك تتذكر- منذ لا تدري متى وإلى الأبد -حياتها الفضائية.
هذه العلاقة التي لا تُحدّبالنور المتغلغل بقوةتطبع بالبطء مادتهاوتحيل انحدارها أشد.
—
الأوراد
-1-
إذا كانت نداوتك تدهشنا إلى هذه الدرجة أحيانًا،أيتها الوردة السعيدة،فلأنكِ، في صميم ذاتك، في داخلك،تويجًا لصق تويج، تستريحين.
ياللمجموع المستيقظ تمامًا، فيما وسطهراقدٌ، وفيما تتلامس، بلا عدد،حُنوات هذا القلب الصامتالمفضية إلى الفم القصي.
-2-
أراكِ، يا وردة، كتابًا مفتوحًا،يحتوي من أوراقهناءةٍ مفصّلةما لن يُقرأ أبدًا. يا كتابًا مجوسيًا،
ينفتح في الريح ويمكن أن يُقرأبعينين مغمضتين…،الفراشات منه تخرج مبلبلةلكونها خامرتها نفس الخواطر.
-3-
يا وردة، يا شيئًا مكتملاً بامتيازيحتوي بلا انتهاء نفسه،وبلا انتهاء ينتشر، يا رأسًالجسد من فرط رقته غائب،
لا شيء يضاهيك، أنت الجوهر العليّ،للإقامة العائمة هذه؛حول فضاء الحب هذا الذي لا نكاد نتقدم فيه، يدور عطركِ.
-4-
نحن مع ذلك من عليكِ عرَضناأن نملأ لك كأسك.مسحورًا بهذه الحيلة جرؤَثراؤكِ وبها قامَ.
كنتِ ثرية بما فيه الكفاية لأن تصبحي نفسك مائة مرةفي زهرة واحدة؛هذه هي حالة من يعشق….ولكنك بشيء آخر ما فكرت.
-5-
استسلام مُحاط باستسلام،وُحنو يلامس الحُنوات…كأن صميمكِ بلا انقطاعيداعب نفسه؛
في ذاته يداعب نفسه،مُضاء بانعكاسه ذاته.هكذا تبتكرين موضوعنرجس المحققة أمنيته.
-6-
وردةٌ واحدةٌ هي جميع الأورادوهذه [الوردة]: اللفظة التي لا تُعوض،اللينة، الكاملة،المؤطرة بنَصّ الأشياء.
أنّى لنا من دونها أن نقولما كانته رجاءاتنا،والتقطعات المفعمة حنوًافي متواصل الرحيل.
-7-
إذ تستندين، يا وردة ألِقةومنداة، إلى عيني المغمضة -،فكأنكِ ألفُ جفنٍمُنضَّد
بإزاء جفني الساخنين.ألف رقادٍ بإزاءتصنّعي الذي أجوب تحتهالمتاهَ العطر [هذا]
-8-
من حلمكِ المفرط الامتلاء،أيتها الزهرة المتعددة في الداخل،مبللة كمثل باكية،تنحنين على الصبح.
قواكِ الوديعة الغافية،في رغبةٍ غير ذات يقين،تنمّي هذه الأشكال اللدنةبين خدودٍ ونهود.
-9-
يا وردة لاهبة ومع ذلك ألِقة،ويا من ينبغي أن ندعوها ذخرًامن القديسة – وردة…، يا وردة تتضوّعبهذا الأريج المُربك لقديسة عارية.
يا وردة لا تُغوى أبدًا، يا مُحيرةبسلامك الداخلي؛ يا عاشقة أخيرةبالغة البعد عن حواء، ونذيرها الأول -،يا وردة تطوّع الخسارة بلا انتهاء.
-10-
يا صديقة الساعات التي لا يبقى فيها من أحد،والتي يمتنع فيها على القلب المتألم كل شيء؛يا معزية يشهد حضورهاعلى مداعبات جمة طافية في الهواء.
لو امتنعنا عن العيش، لو أنكرناما كان وما يمكن أن يحدث، فهل سنفكر بما فيه الكفاية بالصديقة المُلحفةالتي إلى جانبنا تتم صنيعها صنيع الجنّيات؟
-11-
إلى هذا الحد أنا واعٍوجودكِ يا وردة كاملة،بحيث يجمعك قبوليبقلبي المعيد.
أتنفسك كما لو كنتِ،يا وردة، الحياة بكاملها،وأحسُّني الصديق الكامللمثل هذه الصديقة.
-12-
ضد من يا وردةتخذتن الأشواكهذه؟هل أن فرحكن المسرف الرهافةقد أجبركنعلى أن تصبحن هذا الشيءالمسلّح؟
مم تراه يحميكنهذا السلاح المبالغ به؟كم من الأعداد عنكنأبعدتُ
وما كانوا ليختشوه.بالعكس، من الصيف إلى الخريف،تجرحن العنايةالتي نمحضكنّ.
-13-
أتؤثرين يا وردةُ أن تكوني الرفيقة اللاهبةلانفعالاتنا الراهنة؟هل الذكرى هي ما يكسبك أكثرعندما تُستأنف سعادة؟
مرارًا رأيتكِ سعيدة ويابسة،- كل تويج كمثل غطاء -في صندوق عطر بإزاء خصلة [شعر]،أو في كتاب محبوب سنعيد قراءته وحيدين.
-14-
الصيف: أن نكون لبضعة أياممُعاصري الورود؛أن تنتنفس ما يعومُ حولأرواحها المتفتحة.
أن نصنع من كل وردة تُحتضرسميرة لنا،وأن نواصل البقاء بعد هذه الشقيقةالغائبة في أوراد أخرى.
-15-
وحدكِ أيتها الزهرة الزاخرة،تخلقين فضاءك الخاص؛وفي مرآتك الأريجيةتتمرأين.
عطرك يحيط كما بتويجات أخرىبكأسك التي لا تُعد.أمسك بك فتنتشرينيا ممثلة مدهشة.
—
النوافذ
-1-
يكفي أن تتردد على شرفةأو في إطار نافذة،امرأة…، لتكون هيَهذه التي نُضيعوقد رأيناها تظهر.
وإذا ما رفعتْ ذراعيهالتعقد شعرها، مزهرية حانية:فيا للفخامة تربحهافجأة خسارتناويا للألق [يغنمه] شقاؤنا!
-2-
تقترحين عليّ، يا نافذةً أطوارها غريبة، الانتظار؛ومن قبلُ كأن ستارتكِ الخبازية [اللون] تتحرك.أينبغي يا نافذة أن أستجيب إلى إغوائك؟أم أمتنع، يا نافذة؟ يا ترى من سأنتظر؟
ألستُ مكتملاً صحبة هذه الحياة التي تصغي،وهذا القلب الممتلئ الذي تكمله الخسارة؟وهذه الطريق الماضية أمامًا، وهذا الشكفي اقتدارك أن تهبي ذلك الفيض الذي يستوقفني حلمه؟
-3-
ألستِ هندستنا،أيتها النافذة، يا شكلاً شديد البساطةيا من بلا جهد تؤطرينحياتنا الشاسعة؟
هذه التي تحب ليست أبدًا أجملإلا عندما نراها وهي تظهرمؤطرةً بكِ، ذلك أنك يا نافذةتُحيلينها شبه أبدية.
الصُدف كلها ملغاة. الكيانيقفُ في وسط الحب،مع هذا الفضاء القليل حولهالذي نحكم.
-4-
أيتها النافذة، يا مقياس انتظار،مرارًا يُملأ،عندما تنسكب حياة وتتلهفإلى حياةٍ سواها.
أنتِ يا من تفصلين وتجتذبين،متغيرة كالبحر، -مرآة يتمرأى فيها فجأة مُحيانا،ممتزجًا بما نرى عبرها؛
يا أنموذج حرية مهددةبحضور الحظ؛يا مسكةً بها يتعادلبيننا فرط الخارج، الكبير.
-5-
كم تضيفين لكل شيء،يا نافذة، معنى شعائرنا:ليس إلا وقوفًا يتأملالواحد في إطاركِ أو يرتقب.
هذا الشاردُ أو ذلك الكسول،أنتِ من توضبينه كمثل كتاب:يشبه نفسه إلى حد ما،ويصير رسمه.
ضائعًا في ضجر مبهم،يتكئ الطفل على [إطاركِ] ويمكث؛يحلمُ… ليس هو،بل الزمن يُتلف رداءه.
والعاشقاتُ بإزائه يُرَينمسمّرات، هشّات،كالفراشات مُهدهداتلجمال أجنحتهن.
-6-
من غور الحجرة، من الفراش، لم يكن ذلك سوى شحوب يفصلالنافذة النجمية المنسحبة لصالح النافذة البخيلة،هذه التي عن النهار تُعلن.لكن هي ذي تهرع، تنحني، وتواصل المكوث:بعد الهجران في الليل، هي ذي الفتوة العلوية الجديدةبدورها ترتضي!
لا شيء في سماء الصبح التي تتأملها العاشقة العطوف،لا شيء سواها هي، هذه السماء، الأمثولة العظيمة:في علوها وفي العمق!ما عدا الحمامات يصنعن في الجو حلبات مدوّرة،طيرانهنَ المشتعل في منحنيات رقيقةينزّه هناك مآب رقة.
-7-
يا نافذة نبحث عنها أغلب الأحايينلنضيف إلى الحجرة المحصيةجميع الأعداد الكبيرة غير المطوّعةالتي يروح يضاعفها الليل.
يا نافذة كانت بالأمس عندها تجلسهذه التي، في شاكلة حنان،كانت تقوم بصنيع طويليجعلها تنحني وتتسمر…
يا نافذة تتبرعم منها في الدورقالألِق صورةٌ مشروبة.يا حلقة تُغلقالحزام الواسع لبصرنا.
-8-
إنها تقضي ساعات انفعالإلى نافذتها مستندة،على شفا كيانها،متوترة وشاردة.
كمثل ما تُرتب الكلاب السلوقيةأطرافها عندما تنام،فإن غريزة الحلم لديها تُفاجئوتُنظم الشيئين الجميلين هذين،
يديها المتموقعتين بصورة رائعة.من هناك ينخرط [في مهامه] كل شيء.لا الساعدان، ولا النهدان، ولا الكتف،ولا هي نفسها ليقولوا: “كفى!”
-9-
حسرة، حسرة، حسرة خالصة!يا نافذة لا أحد ليتكئ إليها!يا حقلاً مسورًا ولا عزاء له،يغمره مطري!
التأخر المفرط والإبكار المسرفهما من يقرران صورك:تلبسينهما، يا ستارة،من الفراغ ثوبًا!
-10-
لأنني رأيتكِتنحنين على النافذة الأخيرة،أدركت أنني شربتُكل هاويتي.
إذ أريتني ذراعيكإلى الليل ممدودتين،جعلتِ منذ ذلك الحينكل ما مني يهجركِيهجرني ومني يهرب…
أكانت إيماءاتكِ هي البرهانلوداع هو من الفخامة،بحيث حوّلني ريحًا،وإلى النهر قذف بي؟
–النائم
دعوني أنام أكثر… إنها هدنةوُعد بها النائم في عَرض نضالات طويلة؛في قلبي أرصد القمر يعلو،عما قريب لن يعود الظلام في قلبي بمثل هذه الوفرة.
أيها الموت المؤقت، يا عذوبة تنهينا،يا قياس جرائمي، أيها الغور العادل،يا يمابيس دمي كله، يا براءة الأنساغ،فيك، في جذره هو، لا يعود خوفي نفسه خوفًا.
يا مولاي الرفيق، يا نُعاس، لا تجعلني أحلم،واجمع في داخلي بكائي وضحكي؛دعني مهومًا، لكيلا تخرج حواء الداخلمن كشحي في حُمياها المُعادية.
بيجاسوس
أيها الجواد اللاهب والأبلق، يا بيجاسوس الساطع الأبيّ،ما أجمل وقفتك بُعيد العدو!تحتك، وقد هجت فجأة، الأرض التي تدوسها أنت دوسًاتبتلع الشرر وينبجس منها شيء من الماء!
النبع المتفجر تحت حافرك البارع في الترويضهو لنا، نحن منتظريه، معونة سامية؛أو لا تحس بأن عذوبته تغزوك أنت نفسك؟ذلك أن عنقك القوي يحاكي منحنى الزهر.
—
ما الذي استطاع المجوس الثلاثةأن يحملوا؟عصفورًا صغيرًا في قفصه،ومفتاحًا ضخمًا
لملكوتهم النائي،والثالث حمل شيئًا من البلسمالذي كانت أمه قد هيأتهمن لاوندٍ عجيب
من أرضهم.ينبغي ألا نعيب ضآلة هذه الأشياء،ما دامت قد كفتِ الطفلليغدو إلهًا.
—
إلى صديقة
كم هو معرّض قلب مريم،لا فحسب للندى وللشمس:الأسياف السبعة وجدت طريقها إليه.كم هو معرّض قلب مريم.
مع ذلك يبدو لي قلبكِ محميًا أكثر،بالرغم من كل البؤس الذي يود التهامه،أقل تعرضًا هو من قلب مريم.
ما كان قلب مريم جمادًا؛صدركِ على قلبكِ منغلقٌ أكثر،وحتى إذا ما فرض عليه الألم أن يبقى معرضًا:فهو ليس أبدًا أكثر تعرضًا من وردة.
—
فلنبق عند القنديل ولا نُكثر من الكلام؛كل ما نستطيع قوله لا يساويبوح الصمت المعيش؛ ذلك شيءكمثل باطن يد إله.فارغة ولاشك هي اليد، هذه اليد؛لكن يدًا لا تنفتح عبثًا أبدًا،وإنها هي التي ترتبنا.
ما هي بيدنا نحن: إننا لنستعجلالأشياء المتمهلة. يد تتراءىهي من قبل فعل. فلننظرالحياة التي فيها تتدفق.ذلك الذي يتحرك ليس هو الأقوى.قبل أن تشرع قوة بالحراكينبغي أن نُعجب بوفاقها الخفي.
—
غير المُبالي
أن يولد المرء حزينًا ولاهبًا،ثم ما إن يستدعى إلى الحياةحتى يكون هذا الذي يشهد،رقيقًا وجميل الكسوة،
المفاجأة المتعددةالتي لا تُلزم،ثم، في أناقته، من بعيد جدًاللمتأنقة يبتسم.
—
ساعدوا القلوب المسرفة الخضوع والبالغة الرقة،فهذا كله يجرح!من سيعرف أن يحمي الحنانمن الحنان؟
مع ذلك، فالقمر، الإلهة الرؤوف،لا يجرح أيًا منا.من دموعنا التي غالبًا ما يقع هو فيها،أنقذوا القمر!
—
ابق رابط الجأش إذا مافجأة هبط على طاولتك الملاك؛وبرفق امح بعض التجاعيدالتي يرسمها السماط تحت رغيفك.
من زادك الظف فلتهده،ليذوقه بدوره،وإلى شفته النقية يرفعقدحًا يوميًا بسيطًا.
ببراءة، كمثل عامل سماوي،يعير هو كل شيء انتباهًا بالغ الهدوء؛يحسن الأكل محاكيًا إيماءتك،ليحسن بناء بيتك.
—
ينبغي الوثوق بأن كل شيء حسن ما دامكل هذا الهدوء يعقب ذلك القلق كله؛تنصرم حياتنا في مطالع،لكن الغناء الذي يفاجئنايعود إلينا أحيانًا كما إلى آلته.
يد مجهولة… أهي سعيدة على الأقل،عندما تفلح في جعل أوتارنامتناغمة ؟ – أم يا ترى هل أجبرتعلى أن تمزج حتى بأنغام التنويمةجميع الوداعات التي بها لم يُبح؟
—
هذا المساء يدفع قلبي إلى الغناءملائكة تتذكر…صوتٌ، كأنه صوتي،بوفرة من الصمت مغوي،
يحلق ويقررألا يعود أبدًا؛في حنوه وفي جراءتهبم هو ذاهب ليتحد؟
—
يا قنديل المساء يا مُسامري الهادئأنت عن قلبي لم تكشف؛
—
الطفل أمام المرآة
أمام المرآة يندهش الطفلويمضي؛ولا أحد يتلقّفما تهبه إياه صورته.
ومع ذلك، فحوالى المساءعندما تُعاند ذاكرته،يحدث أن يستوقفه أمام المرآةفضولٌ متأخر.
لن نعرف بما فيه الكفاية إن كان يخاف.ولكنه يبقى وينغمس،وأمام صورته الشخصيةينتقل إلى أماكن أخرى.
—
ربما لم يكن ذلك سوى انعكاس النارعلى أثاث ما، مؤتلِقٍ،يتذكره لاحقًا الطفلكمثلِ بوح.
وإذا ما، في سنيه التالية،جرحه يوم كسائر أيام كثيرة،فلأنه تمسك بصدفةكما لو كانت وعدًا.
ولا ننسينّ الموسيقىالتي اجتذبته في وقتٍ باكرصوبَ الغياب الذي تزيده تعقيدًاروحٌ محققة رغائبها…
—
الساحر
الساحر، بعينيه المجوّفتين الفارغتين،ينطق بالكلمة المناسبة…وهي ذي تولد، في الصمت القاحل،موجهٌ خرساء من هياجٍ خصيبٍ ضخم.
أتراه يثيرها أم يوقفها؟ومن الذي ينتصر؟ – أتراه الساحر؟نتخيل أن واقعةً محتومة تكملإيماءته التي ترتب وتستبقي.
تفعل الكلمة فعلها ولا أحد ليستأنفها.فجأة، في بعض الساعات، ما نسميهيصير… ماذا؟ كيانًا… شبه إنسان،وبتسميتنا إياه نقتله!
—
عنهم لا أحد يتحدث، ومع ذلككانوا للعيش نهمين،كانوا أشد من الريحالتي بنا تتحكم أحيانًا…
كانوا أنقياء وفاتنين.
في المقابر منيخمّن أسماءهم الممحوة؟هذه الأسماء البسيطة من الأمسالتي كانوا قد آثروها
كمثلِ ما تؤثر زهرة.
كم نحب الجديد!أولئك الفتية كانواولا شك أكثر جدّة مما يلزملإدهاش قبرٍ.

—
أغنية قاسية
قفوا في ظل شجرة صفصاف،هناك في طرف الحقل؛بإزاء أكتافكمبما ستحسّون.
خذوا مزمار القربةجربوا قليلاً،لعل الموسيقى المتسللةتثيرنا.
طالما أحسنتْقيادنا، سنرقصبين اللاوند،أنا الراعية
وهو الحداد…ببنتِ شفة لا تنبسوا.إن يكن هذا يُبئسكم،فستبكون بعد قليل!
—
-1-
أحبني، وعلى فمي فليبقَشيء من هذه الابتسامة التي تُفرحك؛ذراعي الطفلة بإفراط، إذ تلمسهاتستيقظ غدًا سليمة.
لستُ ممن يستوقفنالعابر اللدن، الجوّال المعشوق؛يكفيني أن أعكس إلى الأبدذلك الإله العجول الذي أرضى رغائبي.
لكن فلينسكب، وليكن جسدي، جسدُ القطرس،الإناء الذي سيحتويه،أو فليتأملني كمثل مايتأمل راعٍ الكوكب المؤذن بالطلوع.
-2-
لتُخفه يدكم عنيذلك الغد المفرط القُرب والذي أجهل؛سيكون ذلك نهارًا مختلفًا؛ سيعميني؟بانبثاقه المفاجئ، سحره.
إذ أكون وحدي سأكون قويةفي ظل هذا الهجران المظلم،لكن إذا ما اقدتموني إلى منزله،فليكن ذلك بأن تحجبوا الباب عني.
—
اليتيم
على مدى الطرق أركض وأركضبقلب مجنون؛نهاري الأفضل سيكون هو ذلكالذي يُقال لي فيه: “كفى!”
والاعتقاد بأن ذلك نهائي!والقول إن هذه هي الحياة!أسألها فتجيب:”كلا!”
الآخرون لهم دائمًا أملهمالذي يرتسم قليلاً.أنا أرى سوادًا على سوادأو سوادًا على زرقة.
—
إن لم تحجب اللغة عنكم كل شيء،وإذا ما استبان بعض مني،فإلى هواء “البندقية” أعيدواشيئًا من قلبي البندقي.
كذلك كان في ساعاتٍ كثارمُلقنًا ببالغ الحنوّ،وصدقوا أنه ما برح كذلكحتى في البعد…
—
سماء فاليزية
كيف يحس قلبنا إذ يخفق بقوةمثل هذه الحاجةلأن تهبه، من بعيد، سماء بكاملهانصائح في [حفظ] التوازن.
لكن هذه السماء اعتادتمنذ الأزل صرخاتنا؛هي صديقة الأرض الخشنة،تُرقق أُطرَها.

—
لو كنتُ عرفتُ ما فيه الكفايةمن كل شيء،لكان حبك المواظبوالذي يُلزمني،
وهبني أطفالاً كثيرين.ولكنتُ أحببتُ أن أسمعهمحولي يصخبون، ولكان سحرنيأن أعلمهم.
لكن عليّ أنا نفسي أن أتعلمسبل الطاعة؛ذات يوم، عندما ينبغي الانتهاء،لن أكاد أكون بدأت.
—
رحيل
ينبغي يا صديقتي أن أرحل.أتريدينأن تري على الخارطة المكان؟هو نقطةٌ سوداء.
فيّ، إذا ماأفلحَ مسعاي،سيكون نقطة ورديةفي بلاد خضراء.
—
كمثل ما يستولي رسمٌ لأحد كبار الرسامينعلى فراغ الورقة بين الخطوططالما بدا بياضها ثمينًا ونادرًا،فهكذا الرسم الحاذق.
لرموشكِ وفمكِ النقيّيقرر مساحاته والمادةالتي، بين ذقنك وأجفانك،تزهو، يا جميلة، لكونها هي وجهك.
—
نحمل نحن أنفسنا، ولكن أيُضافوزن الموتى إلى هذه الأرضليوقفها تمامًا؟… هي ما برحت تدوربالرغم من الموتى الذين يبدون لنا بالغي الثقل.
ما إن يكونون فيها حتى لا يعودون يُثقلون،هؤلاء الموتى البالغو الثقل؛ هم كمثل كتاب مقروءتعرف هي محتواه،الأرض الثقيلة التي ما برحت دائرة.
—
لنعاود البدء، تقول الأرض، لنعاود البدء،إنها فرصتي الوحيدة.وعلى حين غرة يهتف الربيع:فلنعاود البدء!
ويسود فعلٌ وحيوية،ياللطاعة!والقلب الذي نود استيقافه، بوثبةواحدة، يندفع.
سوى أن الأرض المطيعةتعرف أنها دائرة في حلقة،أما نحن فإلى اللا نهايةنتدافع.
—
شجرة الجوز
-1-يا شجرة من مكانها تدوربكبرياءحولها فضاء الصيفالمكتمل هذا.
يا شجرة بهيكلهاالمدور الثريتثبت وتلخصما ننتظر طويلاً:
رأيتُ، مع ذلك، أوراقكِ تحمرفيما هي تصير خضراء:بهذا الحياء المُهدىلا شك أن بهاءكِ يريدالآن أن يعاقبها.
-2-
يا شجرة هي أبدًا في وسطكل ما بها يحيط،يا شجرة تستطيبكامل قبة السماوات،
أنتِ، لا كمثل سواك،ملتفتة إلى كل الجهات:كأنكِ رسوللا يعلم من أية جهة
سيتجلى له الله…ولكي يتأكدفهو يُنمي، دائريًا، كيانهويمد له ذراعين مكتملين.
-3-
يا شجرة لعلهافي داخلها تفكر:يا شجرة – سيدة من سالف الأزمنةبين الأشجار الخادمات!
يا شجرة بذاتها تتحكمواهبةً نفسها بطيئًاالشكل الذي يُبعدمصادفاتِ الرياح.
ممتلئًا بالقوى الزاهدظلك الألِق لنا يعيدورقة من الظمأ ترويوثمارًا مواظبات.
—
ذلك الزئبق الأبيض لفرطِبياضه -: يا ترى ما سيغدو؟إنه يحلم، ومن جميع الألوانيعكس حسرة.
حوله، الحديقةتبعث ائتلافات هائمة؛بياضه، في الظل، يزخربغياباتٍ منفعلة كثيرة…
—
أغنية
فلنلعب لعبة الرعيان ولتكنمفاتنكِ نِعاج قطيعيالتي سُرعان ما تستجيبلكل إنذار من قلبي، بخوف ورقة.
إلى شريطها بلطف تحملينقبعتكِ التي لها شكل سلة رعيان؛كل شيء صحيح، لا شيء يُجفلني،ثم إن قلبي ليس سيء الخفقان.
آن الأوان لأسكب في نايينفسي كله الذي كان يتهيأ،لأن المتكلفة الحياء التي كنتها أنتِترحل والفظّ الذي كنته أنا.
يبدو لي لعبي لنا وحدنا [نحن الإثنين].وذئابُ زريبتناليست هناك إلا لأنه لحياة راعٍبمثل هذا الجمال لابد من ذئاب.
—
القناع
والجًا حجرتي هذا الصباحنسيتُ حضوركَ:يا قناع امرأة شرقيةصنعه نحات عظيم.ياللفزع المقدس في أن نجدههنا حيث يحسب المرء نفسه وحيدًاما هو أكثر من وجه.وفي أن أحس أن وجهيإذ يتأملك،أيها الوجه الكامل،على مضاهاتك لن يقدر.
—
يا حياتي
كم أود، يا حياتي، أن أكون هذا الذي يستجيبلرغبتكِ الأكثر عدلاً. يا حياتيإذ يرونك فيما بعد سيحسبونأنّ توقّدي لم يكن كافيًالملئكِ بكاملكِ، أيا حياتي،لا ولا لتحميسك،والعثور على السر الذي يضاعفإمكاناتك؟ولاكتشافك، أخيرًا، أيا حياتي،هناكَ حيث ما برح كل شيءيتبرعم، في هذه الأرض التي تُوحدالحياة والموت.في أرضكِ الحميمة، أيا حياتي،التي منها انتُزع قلبي،والتي ما سماؤها سوى حنينإلى بهاء الأرض. 
—
هدوء الحيوانات
يالهدوء الحيوانات التي لا يُلحِفقلقُها أبدًا(كما يفعل قلقنا نحن) في جعلها تكتئببفعل اعتياد.
ما تعلم هي يا ترى، وأية سعادة خافية عليناتغمرها بالاعتدال الحذر هذا؟ومع ذلك، فهي أيضًا ينتزعها الحبمن ذواتها ويعذبها.ليست الحياة بالحانية عليها؛ وما أنها لا تنكر الجميل،فهي غالبًا ما تعذبها لفرط ما هي قوية.حتى الحياة الأكثر حنوًا تتصرفحسب لون هذا الدم القرمزي.
بيد أن الحيوانات هي من لا تنام عبثًا أبدًا،لأن نومها يدحرجها كالحصباء؛وهي منه تخرج وقد صُبت ثانيةً في قالبهورغبتها الجديدة تحيل الصباح جديدًا تمامًا.
إنها جاهلة… أصحيح هذا؟ جاهلةٌ هيلهذا العلم ونصف العلم الذي نحفظ نحن منه ربعه؛وهي تمتلئ بالحياة كالجرة الهادئةوناموسها الداخلي يقبل بالصدفة.
كل شيء في نظرها عادل، حتى في ذلك الجورالذي يعذبها ويحني قاماتها.وقلبها البريء منطوٍ على هذه الساعة المؤاتيةالتي لن يقدر أن يُنكرها أي حظ.
—
ياللحظ في حملِ نهدين صغيرينصوب أحد أو صوب المجهول…نهدين صغيرين يقولان: “ربما غدًا…”ودون أية زيادة،يكونان سعيدين. بينهما المُدلاةهاجعة صحبة الصورة الحانية للأم؛فكأن حمايتهاتفصل بينهما، فلا تجرؤ الفتاةعلى الإحساس بهما كليهما معًا،هذين النهدين الصغيرين الفتييناللذين ينبغي حملهما صوب أحد أو صوب المجهول،واللذين يحييان نوعًا ماخُفية عن هذه التي إليها يعودان.يا ترى هل سيهبانها السعادة،هذان النهدان الصغيران البريئانالصامدان بوجه رياح الحياة؟…هذان النهدان الصغيران العنيدانالمرتديان ما يشبه ثياب حدادبإزائها يطرحان،في ظل إنذاراتٍ غير ملموحة،طلباتهما الرفيقة، طلبات أورادمُدثرة.
—
هل تتذكرون تلك الأشياء التي أضعناهافي الغد؟ للمرة الأخيرة تتوسلكم(عبثًا)للبقاء قربكم زمنًا أطول.
بيدَ أن ملاك الخسارات قد مسها بجناحه الشارد؛لا نعود نمسك بها، نستوقفها.لقد دمغتها، لا ندري متى،ندوبُ الغياب؛بالرغم من النوافذ المغلقة، تتقدمصوبها ريح خفية.إنها ستخرج من هذا النظام المشخّص،نظام التملك الذي يهبها أسماء.ما تصبح عما قريب حياتهاالتي لن تعود حياة الإنسانالذي أحبها؟ أيكون لها هي أيضًا
طويلُ ندم بين الأتربة المكتئبةأم أن الأشياءتتساعد من أجل نسيان أسرع؟السعادة المبهمة في أن تكون مادةهل تعاودها، لتردها إلى الأم العمياءالتي تلمسها ولا تكاد تنحو عليها باللائمةلكونها تكبدت فكر الإنسان؟
—
إذا كان من يقوّضنا إلهًا: فلنطعه!سيعرف إعادة الخلق: فليحطمنا.لكن ياللحظ الرهيب في أن نكون في صراعمع أيدينا نفسها التي تهشمها
بما لا درءَ له، وعلى هذه الشاكلةبحيث لا يقدر أن ينبعث منا أي شيء؛ذلك أن هذا الحساب ما قبل الأخير، وهو الأقسى،سيفوق الحساب الأخير.
—
من قبل، من هنا ومن هناكتضيء في المروج شجرة صغيرة؛نتفة صيفغير قابلة للاشتعاليضعها الخريف على السندان،الذي تهوى عليه مطرقة الزمن.
يا مطرقة، ألا يا مطرقةمن علٍتعود،أتراكِ صانعةً قبرًايا مطرقة فضائية كبيرة؟
أم بضربكِ إيانا نحن أيضًا(معدنا يرنّتحت ضربات كثيرة)تريدين منا أن تصنعييا مطرقة، يا مطرقة،صندوقًا من البرونز ينتصبعلى هذا القبر؟
—
ظلّ فراشة.هل أن إلهًا يتأملتجلّيه الزائلكما نتأمل نحنهذه العزيزة علينا؟

—
هذه التي لم تأتِ، أما كانت مع ذلكبارعة في ترتيب قلبي وتزيينه؟إذا كان على القلب أن يوجد ليكونهذه التي نحب فأين يكمن إبداعه؟
يا سعادة جميلة بقيتْ محضَ وعد لعلكِ أنتِمحورُ جميع عناءاتي وغراماتي.لئن بكيتُكِ هذا البكاء كله، فلأنيآثرتُكِ على جميع السعادات المكتملة.
—
أيندر في الحياة مثل هذا النسيان الذي فيه يرغبكل من لم يفهموا قطكم تتعاضد جميعُ الأشياء وتتجاوب وتتجاذبفي تبادل غير مُتناهٍ؟
أنا، بالعكس، منذ الطفولة يعجبنيكم أن أية نظرة نتلقاها،وأية ابتسامة وأية رقة،لا تضيع في العالم المنفتح هذا.
كل شيء إلينا يرجع. كل فؤاد، إن لم نوقفه،سيقطع حسب إيقاعه الغريزيالمسار كله، الدورة العذبة الكاملةلوفائه الحميم.
—
نرجس
محاطة بذراعه كما بصَدَفة،تسمع هي كيانها الموشوش،فيما يحتمل هو هذه الإهانةمن صورته التي هي أبدًا مفرطةُ النقاء….
مستغرقة، وباتباع مثالهما،تفيء إلى ذاتها الطبيعة:الزهرة تتأمل في نسغها ذاتهافترقّ بإسرافٍ، والصخر يحتمل نفسه…
إنه معادُ كل رغبة تؤوبإلى كل حياة محتضنة من على بعد…أين تراها تسقط؟ أتريد،تحت السطح المضمحل، تجديد مركز؟
—
لكي نعثر على الله ينبغي أن نكون سعداءفمن يبتكرونه عن ضيق،يُسرفون في العجلة ولا يبحثون بما فيه الكفايةعن حميمية غيابه اللهّاب.
—
أقنعة تمتد إلينا،لكن تحتها نحسّبالوجوه التي تتجعدوبحجة الزهد،تُرضي في الخفاءميلها إلى البخل.
كل شيء مزدوج؛ لكل شيءتُعير بركة افتراضيةالهياج المعتكر هذابين ضفتين.
—

السلام
الوجه حفظناه،بيد أننا نخرج بقلب مشوّهمن هذه الحقبةالتي فيها كانت الجسارة النادرةمن حظ الجميع…
ما تريدون أن نفعلبهذه الشجاعة للا أحدالتي يُعيروننا ويهبوننا،لتحل محلخوفنا الحميم!
لنعد صنع القلبحسب الإملاء الرهيف،وليقم كل واحد بالصنيعغير المُجزي، صنيع حماستهالمشتتة بخفاء.
—
مثلما تشير النقاطفي خرائط الجغرافيا إلى المدن،فهكذا (على مسافةِألف فرسخ من هنا)عيونهم مسكونة…
والأطر المتحركةلأجسامهم الخافية التخوم،تغني التغير الرقيقلمغازٍ لا تُحصىبلا غازٍ.
—
المستقبل: تعلّة الزمن هذهلإخافتنا؛مشروعٌ مفرط السعة، لقمةٌ هي أكبر مما يلزملفم القلب.
من يكون انتظرك أبدًا يا مستقبل؟الكل يمضي.يكفيك أن تعمقالغياب الذي نملك.
—
أمومة
حياتي ملأتها ليبعطر غيابك،يا بني في اللانهاية،يا جوهر كياني!
جاثية على الركبتين أبدًاإليك ببطء أتقدم.ركبتاي ما أبردهمامنذ رحيلك.
في نظرتي المفرطة الامتدادلم يعد أي شيء ليهمّ.أيمكن الرحيل بمثل هذا الإبكار؟ بالعار أشعرلتأخري إلى هذا الحد.
—
الرقصة في السلم
ساكن الطابق الأول هذاالذي، في الجدار، يغوصهو على أهبة نكرانِمنزله: يتنازل عنه.
“لم أعد لأقيم في أي مكانومرورك يوبخحتى هذه الرغبة، يا سيدة،في أن أقيم في نظرتك”.
—
المسيح مبعوثًا
كيف نبقى صحبة هذا الجسد، كمثل بذرةجُرحت لكي تعاود النمو،على هذه الرابية الملأى لهفًا،تحت هزة الربيع؟
كيف نفصل هذا القلب النباتيّعن الطبيعة المحيطة بهالتي تعلن أن لا أحد يوقف الشراللهم إلا إذا عمل على تحويله.

***

Tagged:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *