مقتطف من كتاب “الوصية” للكاتب راينر ماريا ريلكه

راينر ماريا ريلكه Rainer Maria Rilke

الربيع


لم يلائمني أبدًا طوال حياتي، ولقد حل هذا العام في وقت مبكر، لدرجة أن ازهار الهندباء
البرية المشعة تتطاير مثل كريات بمجرد أن تنفخ عليها، وظهرت نبتة الصناب منذ الآن
في الحقول؛ قوى الربيع العامرة لا تساعدني أبدًا في التوحد مع نفسي. غير أنني كنت
مضطرًا، بعد عدة شهور ضائعة، لأن أراود نفسي في اللحظات الأخيرة من هذه العزلة
المختارة.
في الوقت الذي عادت فيه العلاقات مع الحبيبة إلى هدوئها، بكيفية أستطيع فيها التفرغ
كليًا إلى نفسي من دون أن يقاسمها أحد هذا الاهتمام، قام فجأة عند مخرج الحديقة
العامة بناء صغير، ظننته في البداية مستودعًا للحصيد، من دون أن أقلق لوجوده
كثيرًا. خلال هذا الوقت تحول البناء إلى منشرة، وهي تعمل منذ عشرة أيام، محدثةً
طنينًا ودويًا من دون توقف. سكينتي تخربت. أتحقق من أن الذي كنت أمني النفس به لم
يكن بمقدوري التقاطه، فيما سبق اللحظة الأخيرة، مثل واجب مدرسي نتباطأ في تنفيذه،
مستسلمين لتأنيب الضمير. فات زمن تدارك مثل هذا الخطأ؛ والكلمة، الآن، للمنشار
وحده.
 
كم العدالة دقيقة، حتمًا. ياللغرابة: أتبين، الآن، أن كل شيء هنا يعود إلى السمع،
والسمع هو ما سُلب مني قبلاً، ومن الآن وصاعدًا. في الليل، إذا استيقظت، أو في وقت
متأخرة من السهرة (لأنهم يعملون في المنشرة حتى وقت متأخر، ويبدؤون أحيانًا نهارهم
الصاخب بعد الخامسة صباحًا بقليل)، يعود من جديد، وبنعومة لا توصف، هذا المدى
الشاسع والنقي من السمع الذي أتيح له السكنى فيه إلى وقت طويل، زقزقات العصافير
تعبر هذا المدى كما لو أنها في استعراض عسكري، إلا أن نقطة الوسط في هذا المدى ظلت
نافورة المياه، وها أنا الآن ممدد في الليل وأقول له وداعًا، هذا ما كان عليه. ما
كان يجب أن يعيد إلي النظام، بعد عدة أسابيع من الاستماع المنتظم. كم فهمتها هذه
التبدلات الصوتية، بعد أن استقبلتها، منذ اليوم الأول! فأي مجرى للهواء يبدل
الاستماع، وحين كان كل شيء هادئًا حول صوت النافورة النافر، كان الصوت يتراجع إلى
قرار مغاير لما يحدث له فوق صفحة الماء. تكلم، كنت أقول له، فيما أصيخ السمع.
تكلم، كنت أقول له، فيما كنت مشدودًا ومتنبهًا برمتي. تكلم، أيها اللقاء المحض بين
الخفيف والثقيل، يا طيش الجسامة، يا شجرة اللهو، يا تعادلاً تحت أشجار الهم
الثقيلة، ذات القشرة العامرة بالوساوس.
وبفضل حيلة بريئة غير مقصود، تدبرها قلبي، كنت أقارن هذا الينبوع بالحبيبة، البعيدة،
التي كانت تمالك نفسها وتصمت، حتى لا يبقى شيء غير هذا.
 
**
آه!
كنا قد عقدنا العزم سويًا على أن يستديم الصمت بيننا: كان يمكنه أن يكون قاعدة هذا
الشتاء القاسية، النافذة، على أن تبدأ النعومة، تعويضًا عن ذلك، لا نعومتنا وحسب،
بل نعومة الشيء المتحقق في قلبي. ربما كان يمكننا – بسبب قوة هذه الضرورة – أن
نكون أكثر قوة لنحفتظ بهذا الصمت؛ لسنا الذين نقضنا عهد الصمت هذا، بل فم القدر الذي
انفتح وغمرنا بالأخبار. الحب هو، حقًا، مناخ القدر؛ ومهما اتسع مداره عبر
السماوات، وتزايدت منظومته بمليارات من نجوم من دم، فإن جميع البقاع الواقعة تحت
هذه السماوات محملة بنكبات القدر. حتى الآلهة أنفسها، في تحولات عشقها، لم تكن
قوية كفاية من أجل إنقاذ الحبيبة الأرضية، الخائفة، الهاربة، من عقد هذه الأرض
الخصبة.
 
**
أهو الجنون، ما أكتبه هنا؟ لماذا لا تتبادل رسائل الأحبة في أي موضع أخبار هذا النزاع؟
آه! كم أن شواغلهم مختلفة. يبدو دائمًا كما لو أن الحبيبة ترمي الحبيب أعلى مما
كان يمكنه بلوغه وحده. له عندها نكهة تجعله أكثر جمالاص وقدرة. إن انتظار هذه
الأيدي المفتوحة يساعد العاشق في جريه. في الحدود البينة لهذه السعادة يضاعف
نشاطه، بعد أن ينحل في صور الحنين المربكة. الآن، فقط، بات العمل، على قلب
الحبيبة، أشبه بعاصفة هادئة للرجل الذي كان يشقى – لا بل أشبه بالراحة في صورة لا
متناهية. الآن، فقط، تنحل ترسبات ليالي المراهقة والقلق؛ الآن، فقط، يسبر الليل
حتى أعماقه. وإذا كان من شيء يعكر بهجته فإنه يعود إلى حواجز ومصاعب وتهديدات
متعلقة بهذا الاتحاد؛ كما أن كل ضيق يتركز في هم وحيد، هو أن يضيع الواحد في
الآخر؛ ولا محل للشك إلا في الغيرة. ولكن ماذا عن الذي كان يعرف هذا كله؟ الذي
شغرت العزلة قلبه قبل الحبيبة؟ أن يعرف منذ بعيد وجهها النقي. بما أنه كان يتهرب
من كل التشابهات العائلية الآسرة له، حيث ينعم كل ملمح منها بنفوذ عليه، تحول
وجهها إلى مستقبل بعينه: من خلال حدقتيها بات يرى. يدها الصغرى، كان يدسها بصمت في
الأخرى، التي كانت تقود من دون أن تتملك. مع العمر، اكتشف شيئًا فشيئًا مقامها
العالي؛ كانت تتجه صوبه أحيانًا وتزنه مثل سهم.
وفيما
بعد، أطلقته.
آه!
كيف يمكن للعاشقة أن تفاجئ بعد من لا يتذكر هذا كله وحسب، وإنما يعقله أيضًا في
وعيه: هذا الانتخاب؛ لذة الذراع الذي ينبسط، الكائن – المنطلق – أوه! وارتجاج
السهم في مرمى التهديف.
ومع ذلك، من مجَّد العاشقة، واشتهى الحبيبة، أكثر من هذا الرجل ذي الاستعمال الإلهي،
والمصير المرسوم!
كما لو أنه، انطلاقًا من المدار الذي دفعته قوة العزلة إلى رسمه، تعرف إلى صورتها أفضل
مما تعرف عليها غيره. ومن هذه المعرفة، اللامتناهية، انبثق الحرمان الهائل.
 
كان يهرب أمامها، فيما يناديها. كان مشغولاً دومًا بأن يكون معرضًا لها، أن يواجهها
ويتخطاها. ألم يكن هناك خطأ ما في هذه الحركة القائمة فيه، التي كان يجب أن تكون
مضبوطة، طوال الوقت الكافي الذي يخشى فيه أو يتجنب هذه المتطلبة؟ ألم يفسد خذلان
عواطفه أمامها، في اللحظة الأخيرة، عمل حواسه؟ هل كان هذا الجزع من أن يكون
معشوقًا، الذي لا يبارحه ويعود به إلى الآلام الأولى في طفولته، إنذارًا يجب
الإذعان له تمامًا، أم يجب الخلاص منه كما في الأخطاء المتأصلة؟
العاشقة،
التي لا تعترض طريقه، أو تكبحه، أو التي لا تُحوّل مساره إلى استراحات الحب، أهي
موجودة؟ وهذه التي فهمت أنه جرى إطلاقه بعيدًا، أبعد منها، حين عبرها؟ والسعيدة
التي أيدته في انطلاقته السهمية، أهي موجودة أيضًا؟ والتي لم تحاول سرقته، أو
إبقاءه مخبوءًا، والتي لم تركض أبدًا لكي تتقدمه، أهي موجودة؟ أو هذه التي لن
تبالي كثيرًا حين ستحصي عدد المرات التي ستطلق فيها يد الإلهة عبرها السهم صوب
المرمى؟
**

 

آه!
لو كانت موجودة، لكانت أعانته مثلما فعلت به إحداهن، من جنس آخر، وهو اشب، عند
حلوله في روسيا، محنُ الطفولة التي عاشها حتى نهاية عقده الثاني جعلته يعتقد أن
عليه أن يواجه، وحده ووحيدًا، عالمًا معاديًا، وأن يقف يومًا بعد يوم في مواجهة
هيمنة الجميع. لم ينشأ من ظلم هذا الموقف، حتى في الحالات الانفعالية الصادقة، غير
أحوال انحرافية ومَرَضية. روسيا، في ليلة، لا في عمل بطيء من الإقناع – في كلام
أدق: في ليلته الأولى في موسكو – حررته بحنان من السحر السيء لهذا الموقف المسبق.
بلد التصالح هذا أعطاه أدلة مستديمة عن خلاف ذلك، من دون أن يجلب له مجدًا، ومن
دون مجهود كبير، مثل منح فصل نقي إلى قلبه. بما أنه صدق ذلك؛ كم راق له أن يصبح
أخويًا. ومع أنه بقي، في احتراف هذا التناغم (ربما لأنه لم يقو على البقاء في
روسيا) مبتدئًا، فإنه لن ينسى التناغم هذا، بل يعرفه، ويمارسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *