Home / مواضيع / ما هي حدسية بوانكاريه؟

ما هي حدسية بوانكاريه؟

 تعتبر حدسية بوانكريه أو فرضية بوانكريه واحدة من اشهر المسائل الرياضية التي استمرت دون حل لمدة 102 عام، لم يستطع أي عالم خلال قرن من الزمان أي يثبت صحتها، إلى أن أعلنت مجلة العلوم في عددها الصادر بتاريخ 22 ديسمبر عام 2006 أن المسألة حلت بشكل نهائي بواسطة العالم الروسي كريشا بيريلمان.

تنص حدسية بوانكاريه كما أخرجها عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكريه “كل تنوع هندسي في أبعاد مغلقة بدون ثغرات يمكن تحويله إلى شكل كروي” ما يعني مثلا أن كرة الركب يمكن تحويلها إلى كرة قدم وبمعنى الشكل الهندسي الكروي ذا أبعاد ثلاثة هو الوحيد هندسياً الذي لا يحتوي على ثغرات. تعتبر الحدسية تابعة لفرع الطوبولجيا أحد فروع علم الرياضيات التي تتعامل مع الأشكال ولكن بشكل مختلف عن علم الهندسة فهي تتجاهل الزوايا والأطوال وتهتم بطبيعة تمدد الشكل واستمراريته وكذلك الحفر في الأجسام.

لنستوضح حدسية بوانكاريه نحتاج إلى أن نفكر كما فكر. فكر بوانكاريه في عام 1904 في أبسط شكل في الفراغ الثلاثي الأبعاد، توصل بوانكاريه بحدسه أن الكرة هي أبسط شكل في الفضاء الثلاثي الأبعاد لكنه لم يثبت ذلك رياضيا. ولكن لما كان حدث بوانكريه يشير إلى الكرة كأبسط شكل؟

لنتحيل أننا نمسك شكل مصمت مكعب أو متوازي مستطيلات مرنا يمكننا أن نقوم بتشكليه ليتحول إلى كرة ينطبق ذلك على كل الأجسام في الفراغ الثلاثي الأبعاد نستطيع تحويلها إلى كرة عن طريق مطها بحرية على أن نحافظ على ألا يتم تمزيقها أو إحداث ثقوب فيها، بينما مثلا إذا كان الشكل الذي نحاول تشكيله يشبه قطعة الدونات بثقبها، فلن نتمكن من تحويلها إلى كرة مهما حاولنا مطها.

يمكن تمثيل هذا في حالة الكرة أنك إذا قمت بلف خيط حول محيط كل قطاعات الكرة سيتحول الخيط إلى عدد من الدوائر المختلفة المحيط إلى أن يصبح نقطة عند الأطراف وهي أبسط شكل في الفراغ ثنائي الأبعاد، أما في حالة قطعة الدونات فلن يتحول الخيط الملفوف حلوها إلى نفطة مهما تابعنا عملية المسح حول سطح الدونات، لهذا تعتبر الكرة سطح متصل بينما قطعة الدونات سطح غير متصل.

تبدو حدسية بوانكاريه بسيطة، لكن في الرياضيات لا تسير الأمور هكذا يتطلب الأمر إثباتا رياضيا كاملا دون خلل، لكن رغم بساطة الحدثية لم تحل الحدسية لمدة 100 عام منذ أن وضعها بوانكاريه في عام 1904.

مرت الحدسية بمراحل في إثباتها مثلا تم البرهنة على صحة الحدسية  في البعد الرابع بواسطة العالم الروسي ألكسندر فريدمان عام 1982، وفي البعد الخامس  بواسطة العالم الياباني البريطاني كريستوفر زيمان عام 1961، وفي البعد السادس بواسطة العالم ستالينغ عام 1962 وفي البعد السابع بواسطة العالم الأمريكي ستيفن سمال عام 1961.

تعتبر حدسية بوانكاريه واحدة من مسائل الميلينيوم السبعة التي ضمها معهد كلاي للرياضيات ووضع جائزة مليون دولار لمن يستطيع حلها، من مسائل الميلينيوم هذه كانت حدسية هودج وفرضية ريمان ومسألة فراغ الكتلة والوجود ليانغ ميلز ومسألة الوجود والملوسة لنافيير-ستوكس، استطاع في عام 2002 عالم الرياضيات الروسي كريشا بيرلمان الذي اشتهر باسم غريغوري بيرلمان إثباتها، يعتبر بيرلمان من أشهر علماء الرياضيات المعاصرين، الغريب في الأمر أن عالم الرياضيات بيرلمان رفض الجائزة المقدمة من كلاي للرياضيات والمقدرة بمليون دولار.

كذلك رفض أن يجري أي مقابلات شخصية أو أي تصوير حتى من كبار المصوريين الفوتوغرافيين، لم تتوقف غرابة بيرلمان عند هذا الحد، حاز بيرلمان على وسام فيلدرز في الرياضيات عام 2006 وهو وسام يعادل جائز نوبل في القيمة ولكنه لشدة الغرابة رفض استلامه رغم عدة محاولات لإقناعه حتى من رئيس الاتحادات الدولية للرياضيات وقتها جون بول.

وفي الحوار النادر وربما الوحيد الذي أجرى مع بيرلمان في 2010 قال أن السبب الذي دفعه إلى رفض استلام وسام فيلدرز هو خلافه مع الاتحادات الدولية للرياضيات، وفي موضوع آخر يقال لأنه كان يرى أن عالم الرياضيات الأمريكي ريتشارد هاميلتون هو من استحق الجائزة لأنه وضع حلا أفضل من حله للمسألة، ولا شك أنه كما عرف عنه أنه رفض هذه الجوائز لأنه لم يشعر يوما بأنه ينتمي إلى هذا المجتمع.

تعتبر حدسية بوانكاريه هي الوحيدة من بين مسائل الميلينوم السبعة التي تم حلها، ورغم ذلك إلا أن الحيرة ما زالت تكتنف جزء منها، فما زالت حدسية بوانكاريه الرباعية الأبعاد الملساء غير محلولة بعد، وتنص هذه المسألة على: هل يمكن لكرة طوبولوجية رباعية الأبعاد أن تمتلك اثنين أو أكثر من البني الملساء الغير متكافئة؟

جدير بالذكر أن حل بيرلمان بعد أن نشره في أحد المواقع الإلكترونية لنشر مسودات الأبحاث استغرق العلماء عدة سنوات للتأكد من صحته وأحد أسباب هذا التأخير تعود لطبيعة ما قدمه بيرلمان، فالعالم الروسي لم يقدم فقط حلا للحدسية فقط ولكنه قدم حل لحدسية أعمّ تعرف بـ conjecture Geometrization والتي كانت حدسية بوانكاريه أحد حالتها الخاصة، كما أن بيرلمان استخدم عدد من الادوات الرياضية المتنوعة التي جعلت من الصعب على متخصص واحد أن يلم بها فتطلب هذا الأمر عدد من العلماء ليعملوا على مراجعة الإثبات الذي قدمه بيرلمان، هكذا يستمر بيرلمان في غرابته فهو لم ينشر إثباته في أحد الدوريات المشهورة ولكن اكتفى بنشره في أحد الأماكن المغمورة المجانية التي يمكن لأي أحد أن يضطلع عليه. هكذا كان بيرلمان الذي حل معضلة بوانكاريه التي حيرت العلماء لمئة عام من الزمان.

Tagged:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *