مراجعة كتاب الزندقة: ماني والمانوية
اسم الكتاب بالإنجليزية: Mani and Manichaeism
المؤلف: جيو ورايدنغرين
المترجم: سهيل زكار
صورة لراهب مانويّ من القرن الحادي عشر
المانوية هي ديانة ونبيها ماني، وأصل عقيدتها هو أنه يوجد إلهان لهذا الكون: إله الخير وإله الشر، فهي من الديانات الثنوية وهي تقدم إجابة مباشرة لمشكلة الشر، وهي مشكلة فلسفية قديمة تقول: كيف يمكن أن يكون الإله الخيّر هو صانع للشر؟ فتقول المانوية أن هناك إلهان، الخير يصدر منه الخير والشرير يصدر منه الشر.
كتاب “الزندقة: ماني والمانوية” هو المرجع الحديث الوحيد باللغة العربية عن الديانة المانوية، ومؤلفه الأستاذ جيو ورايدنغرين George Widengren متخصص في الديانات واللغات القديمة ويكفي قراءة هذا الكتاب لمعرفة مدى سعة اطلاعه، ومترجم الكتاب الدكتور سهيل زكار مترجم بارع وأمين وقد زادَ الكتاب بملاحق مميزة للغاية ومفيدة (وخطيرة كذلك)، فقد جمع كل الفصول التي كتبها المؤلفون العرب عن المانوية أو المنانية، كابن النديم والبيروني والمسعودي وغيرهم، ولا يوجد حتى الآن كتاب كامل عربي يُرجع إليه عن المانوية على الرغم من انتشارها في الدولة الإسلامية (في مناطق كبلاد فارس) أيام الخلافة العباسية وما بعدها وإبطان الكثيرِ المانويةَ وإظهار الإسلام؛ ومن الشخصيات التي دانت بالمانوية أو اشتبه فيهم: بشار بن برد وابن المقفع، بالإضافة إلى اتهام البرامكة أجمعين بالمانوية.
يسلسل الكتاب بطريقة ممتازة الأحوال السياسية والدينية في بلاد فارس حيث ظهر ماني صاحب دعوة المانوية، ثم عن حياة ماني ودعوته وسفرياته وأتباعه، ثم عن مذهبه وفلفسته وشريعته، وهو بهذا يقدم صورة سليمة عن الديانة بمنهج علمي موضوعي بعيدًا عن تشويه صور الديانة كبعض الذين كتبوا عنها مثل بعض الكتاب المسيحيين باعتبار المانوية بدعة غنوصية، وادعاء ماني بأنه البارقليط أو الفارقليط الذي ذكر في الكتاب المقدس (وكذلك قال ماني بأن الروح القدس هو أيضًا البارقليط ولعله بهذا تأثر بفكرة التثليث المسيحية حيث الأقانيم الثلاثة هي واحد فأيضًا هو والروح القدس واحد، وهذا يبين تأثير من تأثيرات المسيحية عليه وتوجد تأثيرات أخرى كتأثيرات الزرادشتية التي كانت منتشرة وقتها)، وحاول الكاتب عمومًا تكوين صورة عن الديانة مع غياب المراجع وتضارب الروايات.
وفق موسوعة أقباط مصر فإن ماني ” ادعى أنه البارقليط الذي في الكتاب المقدس وأنه نبي، وظل ينطق بهرطقات ثم اتخذ لنفسه اثنى عشر تلميذًا واثنين وسبعين أسقفًا، ثم أرسل هؤلاء لينشروا تعاليمه فاتبعه الكثير، وكان يدعي أنه طبيب وكان يعالج ابن ملك الفرس فلم يفلح في معالجته فمات الولد فألقي بماني إلى السجن، وحكم عليه بالإعدام إلى أنه رشى الحراس فمكنوه من الفرار، وفر إلى فلسطين حيث طرده أحد الأساقفة خوفًا من ضلاله، ولكن ملك الفرس استطاع أن يصل إليه فقبض عليه وسلخ جلده حيًا ثم سلم جسده للوحوش وعلقه على باب المدينة، وبعد موته هاج أتباعه وظلوا ينشرون معتقداته في كل مكان.”
في فهرست ابن النديم:
“قال ماني: مبدأ العالم كونين أحدهما نور والآخر الظلمة، كل واحد منهما منفصل من الآخر، فالنور هو العظيم الأول، ليس بالعدد، وهو الإله ملك جنان النور، وله خمسة أعضاء، الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وخمسة أخر روحانية وهي ، الحب والإيمان والوفاء والمودة والحكمة.
وزعم أنه بصفاته هذه أزلي، ومعه شيئان أزليان أحدهما الجو والآخر الأرض، قال ماني: وأعضاء الجو خمسة: الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وأعضاء الأرض: النسيم والريح والنور والماء والنار، والكون الآخر وهو الظلمة وأعضائها خمسة: الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة، قال ماني: وذلك الكون النير مجاور للكون الظلم لا حاجز بينهما، والنور يلقي الظلمة بصفحته ولا نهاية للنور من علوه ولا يمنته ولا يسرته، ولا نهاية للظلمة في السفل ولا في اليمنة واليسرة، قال ماني : ومن تلك الأرض المظلمة كان الشيطان، لا أن يكون أزليًا بعينه ولكن جواهره كانت في عناصره أزلية، فاجتمعت تلك الجواهر من عناصره فتكونت شيطانًا، رأسه كرأس أسد وبدنه كبدن تنين وجناحه كجناح طائر وذنبه كذنب حوت وأرجله أربع كأرجل الدواب، فلما تكون هذا الشيطان من الظلمة وتسمى إبليس القديم، ازدرد واسترط وأفسد ومر يمنة ويسرة ونزل إلى السفل في كل ذلك يفسد ويهلك من غالبه، ثم رام العلو فرأى لمحات النور فأنكرها ثم رآها متعالية فارتعد وتداخل بعضه في بعض ولحق بعناصره، ثم إنه رام العلو، فعلمت الأرض النيرة بأمر الشيطان وما هم به من القتال والفساد، فلما علمت به علم به عالم الفطنة ثم عالم العلم ثم عالم الغيب ثم عالم العقل ثم عالم الحلم، قال: ثم علم به ملك جنان النور فاحتال لقهره، قال: وكان جنوده أولئك يقدرون على قهره ولكنه أراد أن يتولى ذلك بنفسه، فأولد بروح ثمانية وبخمسة عالمية وبعناصره الاثنتي عشرة، مولودًا وهو الإنسان القديم، وندبه لقتال الظلمة، قال: فتدرع الإنسان القديم بالأجناس الخمسة وهي الإلهة الخمسة: النسيم والريح والنور والماء والنار، واتخذهم سلاحًا، فأول ما لبس النسيم وارتدى على النسيم العظيم بالنور المشع، وتعطف على النور بالماء ذي الهباء واكتن بالريح الهابة، ثم أخذ النار بيده كالمجن والسنان، وانحط بسرعة من الجنان إلى أن انتهى إلى الحد مما يلي الحربى، وعمد إبليس القديم إلى أجناسه الخمسة، وهي الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب، فتدرعها وجعلنا جُنة له، ولقى الإنسان القديم فاقتتلوا مدة طويلة واستظهر إبليس القديم على الإنسان القديم، واسترط من نوره وأحاط به مع أجناسه وعناصره واتبعه ملك جنان النور بآله أُخر، واستنقذه واستظهر على الظلمة، ويقال لهذا الذي اتبع به الإنسان، حبيب الأنوار فنزل وتخلص الإنسان القديم من الجهنمات مع ما آخذ وآسر من أرواح الظلمة، قال: ثم إن البهجة وروح الحياة ظعنا إلى الحد، فنظرا إلى غور تلك الجنهم السفلى، وأبصرا الإنسان القديم والملائكة وقد أحاط بهم إبليس، والزجريون العتاة، والحياة المظلمة، قال: فدعا روح الحياة، الإنسان القديم بصوت عالي كالبرق في سرعة، فكان إلهًا آخر، قال ماني: فلما شابك إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة، اختلط من أجزاء النور الخمسة بأجزاء الظلمة الخمسة، فخالط الدخان النسيم، فمنها هذا النسيم الممزوج، فما فيه من اللذة والترويح عن الأنفس وحياة الحيوان فمن النسيم، وما فيه من الهلاك والأدواء فمن الدخان، وخالط الحريق النار فمنها هذه النار، بما فيها من الإحراق والهلاك والفساد فمن الحريق، وما فيه من الإضاءة والإنارة فمن النار، وخالط النور الظلمة، فما فيها من هذه الأجسام الكثيفة مثل الذهب والفضة وأشباه ذلك، وما فيها من الصفاء والحسن والنظافة والمنفعة فمن النور، وما فيها من الدرن والكدر والغلظ والقساوة فمن الظلمة، وخالط السموم الريح فمنها هذه الريح فما فيها من المنفعة واللذة فمن الريح، وما فيها من الكرب والتعوير والضرر فمن السموم، وخالط الضباب الماء فمنها هذه الماء، فما فيه من الصفاء والعذوبة والملائمة للأنفس فمن الماء، وما فيه من التغريق والتخنيق والأهلاك والثقل والفساد فمن الضباب.”
لشراء الكتاب:
نيل وفرات