لم أعُد أحبُّ بورخيس!

خورخي لويس بورخيس

أذكرُ المرة الأولى التي اكتشفتُ فيها عوالمَ خورخي لويس بورخيس المدهشة، ولا أنسى ذلكَ الإحساس بالهالة الذي أحاط بأولى القصص التي قرأتُها له: “الألف”. كانت قصة دفعتني إلى التأمل والانبهار بما تنسجُه من رموزٍ واستعارات، حتى وجدتني أواصل قراءة أعماله بشغف. ومع الوقت، لم يعد إعجابي مقتصرًا على أدبه؛ بل امتد إلى صورته ككاتب موسوعيّ، واسع الثقافة، لم يمنعه فقدان البصر من مواصلة الكتابة أو عن شغف المعرفة، واعتبرَ من أعظم الكتاب في القرن العشرين… لم يكن إعجابي منصبًّا على أدبه وحده، بل على صورته أيضًا. لكن تلك الصورة بدأت تتصدع.

كانت البداية عندما قرأتُ ما كتبَهُ عن الأفلام والسينما، التي وجدتُها طعناتٍ. ولا أدري ما هو الوصف المناسب، ربما.. غريبة، أو سيئة! لا أدري.. شيء من هذا القبيل!. لم أستسغ أيًا منها، وأثقُ بأن الكثير يوافقني الرأي. فقد وصف العديد من الأفلام الرائعة بالرتابة والملل، مثل فيلم “المواطن كين”، ومن الأمثلة الأخرى، إجحافه لفيلم “أضواء المدينة” لتشارلي تشابلن بحجّة أن الميلودراما قد أفسدت العمل. كيف يمكن أن يكره بورخيس فيلمًا كـ “أضواء المدينة”؟! هناك الكثير لأفصح به عن هذا العمل شديد الجمال ومتسّق الصُنع، وكي لا يكون الأمر عني بشكل شخصي، فيكفي أن نتذكر مشهد فيلم “الحالمون” لبريتلوتشي، وهو مشهد ذُروة — بالرغم من أنه لا ينطوي إلا على حديثٍ في غرفة، والذي يتحدث فيه أحد الأبطال عن إعجابه بتشابلن والفيلم، وتتسع حدقة عينه، لدرجة أنه يبدو مسحورًا. كيف لا غاب ذكرُ كل تلك الجماليات عن بورخيس؟ وهذان مثالان فقط من بين أمثلة عديدة.

ولم يكن الأمر، في الحقيقة، متعلقًا بالسينما وحدها. فالاختلاف في الذائقة أمرٌ مألوف، ولا أظن أن أحدًا يطالب ناقدًا أو أديبًا بأن يحب ما يحبّه الآخرون. لكنني بدأت ألحظ أن أحكام بورخيس، في أكثر من مناسبة، تبدو لي باردة إلى حدٍّ يثير الاستغراب، وكأنها تصدر عن عقلٍ شديد الصرامة لا يترك للعاطفة أو للانفعال الإنساني مساحة كافية. شيئًا فشيئًا، وجدتني أتساءل: هل تكمن المشكلة في ذائقتي أنا، أم أنني بالغت في رسم صورة بورخيس في ذهني؟ ربما كنت قد صنعت له هالةً أكبر مما ينبغي، حتى أصبحتُ أتعامل مع آرائه بوصفها امتدادًا لعبقريته الأدبية. ومنذ تلك اللحظة، بدأتُ أقرأه وأستمع إليه بعينٍ أقل انبهارًا، وأشد ميلًا إلى مساءلة أحكامه بدل التسليم بها. ولم أكن أعلم أن هذا الشك الصغير، الذي بدأ من مقالٍ عن فيلم، سيقودني لاحقًا إلى اكتشاف جوانب أخرى في شخصيته، كانت كفيلة بتغيير صورته لديّ على نحوٍ كامل.

بدأتُ أفهمُ شخصية بورخيس أكثر بعدما استمعت إلى حواره في برنامج التلفاز الأمريكي “خط النار” في أواخر السبعينيات، يقدمه ويليام ف. باكلي، وهو مفكّر أمريكي يميني، يعتبره اليمينيون في الولايات المتحدة من أهم المشتغلين بالفكر في القرن العشرين — كيف لا وهم لا يملكون سوى قلّة؟! وبعيدًا عن كون الحوار ظريفًا، متشبعًا بالسخرية اللاذعة والحاذقة لبورخيس؛ تظهرُ لنا جوانب هامة من شخصية بورخيس وأفكاره تجاه المجتمع والعالم والسياسة. وبدت لي أفكار بورخيس تدعمُ الاستعمار بوضوح، كيف لا وهو يمجّد في كل ما هو أنجلوساكسوني وأوروبيّ في مناسبات مختلفة من الحوار، وفي اللغة الإنجليزية، وفي التاريخ الاستعماري نفسه، وصولاً إلى الولايات المتحدة. بدا بورخيس سلبيًا تجاه كل القضايا التي حملها الاستعمار. ولم يلمِّح إلى هويته الأرجنتينية قط! بل إنه كتب ناقدًا الاتجاهات القومية للشعوب ووصفها بالحماقة.

الصدمةُ الكبرى كانت عندما قرأتُ أنه زار تشيلي في عام 1976 وتلقّى رسالة دكتوراه فخرية من الدكتاتور العسكري بينوشيه، بل وأثنى عليه! كل هذا جعلني أدركُ خفايا في شخصية بورخيس، جعلتني أراهُ غير ما كنتُ أراهُ. وبالرغم من العوالم المدهشة التي أسرني بها في قصصه، إلا أني لم أعُد أحب بورخيس!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *