تلخيص كتاب: “الأشرار العباقرة” بقلم كورت أندرسن
تفاصيل الكتاب
تعرّف كيف سيطرت مجموعة صغيرة من الليبراتريين المتشددين على المشهد السياسي في الولايات المتحدة، مُحوّلين بلدهم إلى بلد تقدم لهم الامتيازات دونًا عن غيرهم.
الفئات المستهدفة
الشغوفون بالسياسة، وأساتذة التاريخ، وطلاب الاقتصاد، والمهتمون بالتكنولوجيا، والصحفيون الماليون، والمستثمرون
نبذة عن المؤلف
كورت أندرسن هو كاتب ومحرر سابق في “مجلة نيويورك”، كما كتب في مجلات وجرائد مثل “تايم” و”ذا نيويورك تايمز”. شارك في تأسيس المجلة الساخرة “سباي”، ومن مؤلفاته “أرض الخيال” و”المؤمنون الحقيقيون”. تخرّج من جامعة هارفارد.
ما الفائدة من هذا الكتاب؟ تعرف على القصة غير المحكيّة لابتلاع أغنى الأغنياء للولايات المتحدة
الولايات المتحدة الأمريكية — حيث تسود الحرية وحيث يمتلك كل فرد الفرصة العادلة بأن يصبح في وضع جيد صحيًا، وأن يكون غنيًا ومتزنًا، أليس كذلك؟ هذا خطأ إلى حد كبير. الوضع الحالي للولايات المتحدة يستدعي استذكار الفساد الذي حدث في الماضي: الأغنياء يزدادون غنى، الفقراء يخسرون، والجناح السياسي يربح.
حتى السبعينيات، لم يكن هناك ظلم وتفرقة بشكل كبير. فلو أنك كنت تعمل في تلك الأيام، في الغالب كنت ستحصل على أجر أكثر من والديك عندما كانا في نفس العمر. أما في وقتنا الحالي، يحصل الشباب على أقل مما كان يحصل عليه آباؤهم وأمهاتهم، بالإضافة إلى التصاعد الجنوني لتكلفة التعليم؛ في الوقت الذي أصبحت فيه الدرجة العلمية ضرورية لتكون من الطبقة المتوسطة. كيف حدث هذا للبلد التي بدا وأنها ناصرت التفكير التقدمي منذ تأسيسها؟
بإمكاننا القول أنّ هذا التفكير المتطلّع والمباشر جاء بنتيجة عكسية على الشعب الأمريكي، فقد استغلت مجموعة شريرة المشاعر الجياشة للحنين إلى الماضي من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في عقد الثمانينيات وما تلاه. إن لم يتم فعل شيء حيال تحكم الأغنياء باقتصاد البلد، فإن الولايات المتحدة أمام كارثة. أولاً، يجب أن نفهم كيف حدث كل هذا. ثم نعرف ما الذي يتوجّب فعله.
القصة الأولى: قصة أمريكا هي قصة ابتكار؛ من الثورة الصناعية وحتى تغيّر قواعد اللعبة في الستينيات
منذ تأسيسها، كانت الولايات المتحدة أمّة قائمة على الابتكار. فلم تكن مجرد “العالم الجديد”، بل كانت عالم الجديد. كان أحد أسباب حرب الاستقلال الأمريكية هو أن البريطانيين حاولوا عرقلة الثورة الصناعية الأمريكية. كان الناس يذهبون إلى الولايات المتحدة بحثًا عن التغيير، وعن فرصة أفضل للحياة.
وكان التغيير ممكنًا بالفعل — ففي السنوات التي تلت عام 1800، تضاعف نصيب الفرد من الاقتصاد بواحد في المائة أو اثنان في المائة كل عام. كانت هناك وظائف جديدة ومنتجات وحتى صناعات جديدة يتم تطويرها طوال الوقت.
عليك فقط أن تنظر إلى البنية التحتية للبلد لتعرف كيف تفجّرت الولايات المتحدة بالحياة بعد تأسيسها. غيّرت السكك الحديدية شكل البلد للأبد، مُحولةً إياها من مجموعة من القرى والمدن إلى أمّة متصلة ببعضها البعض. فيما بين عامي 1840 و1860، تم بناء 27 ألف ميل من خطوط السكة الحديد.
كما تمت إضافة قرابة 50 ألف ميل من خطوط التلغراف في نفس الفترة الزمنية، وتفجرت المدن بالحياة مع قدوم المهاجرين من أوروبا ومن كل أنحاء العالم لرؤية ما سبب تلك الضجّة التي أثارتها الولايات المتحدة. كانت مدينة نيويورك تتضاعف في الحجم كل عشر سنوات، بينما نَمَت شيكاغو من قرية صغيرة إلى مدينة بارزة. وكان دخل الأفراد في تزايد أيضًا، وليس فقط للأغنياء.
استمرّت الرغبة في التغيير السريع على مدار القرن العشرين، ووصلت ذروتها في الستينيات مع ظهور تغيرات مجتمعية مهمة مثلما يخص الأمريكيين الأفارقة والنساء، وظهرت موسيقى رائجة جديدة مثل فرقة البيتلز أشعلت هوسًا على مستوى الولايات المتحدة وفي العالم، كما تحوّلت ثقافة الشباب لتصبح أكثر مركزية من أي وقت مضى، وكان هذا انعكاسًا للهوس بالجديد وبما يمكن أن يحمله المستقبل.
وصلت التكنولوجيا والإنجازات المجتمعية إلى ذروتها عندما وطأ الإنسان القمر بقدميه. بحلول الثمانينيات، بدأ حب الأمريكيين الفطري للتغيير واستكشاف الجديد بالتلاشي، وبدأ الحنين إلى الماضي بأن يحلّ محلّه.
القصة الثانية: إصلاحات الصفقة الجديدة: وصل الطرفان إلى اتفاق، لكن تم الإخلال به في السبعينيات
قبل حلول الثمانينيات، كانت السياسة الأمريكية معتمدة على توافق اقتصادي تقدمي نِسْبِيًّا بدأ في الثلاثينيات مع بداية الصفقة الجديدة — وهي حزمة من الإصلاحات أطلقها الرئيس فرانكلين روزفلت جَمعت الشتات الذي نَتج عن الكساد الكبير.
عارضَ المحافظون هذه الصفقة لكونها لا تسير مع مصالح الشركات والأعمال، فهذه الحزمة الجديدة من البرامج والهيئات الحكومية كان غرضها أن تحل مشكلة البطالة لملايين من الأمريكيين. كانت الحزمة بمثابة تخفيف عن الفقراء، ونتج عنها إقرار تشريعات جديدة، خاصةً للبنوك، وذلك لمنع تكرار وقوع كارثة مثل انهيار وول ستريت في عام 1929.
أبرز ما حملته الصفقة قيودٌ على الشركات والبنوك. وأساسها كان مكافحة أنشطة الاحتكار. يتفق أغلب الناس على أن الاحتكار يُعرقل الابتكار ويمنع المنافسة ويزيد الأسعار. تشريعات مكافحة الاحتكار هي الطريقة التي تتمكن من خلالها الحكومة إيقاف ومنع الاحتكار. في ظلّ الصفقة الجديدة، شهدت وزارة العدل تزايد عدد المحامين المتخصصين في مكافحة الاحتكار من خمسة عشر محاميًا إلى 583 محاميًا.
كان هذا الأمر جَوْهَرِيًّا في نجاح الولايات المتحدة والمؤسسة الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب، وحتى السبعينيات. لكن أصبح هذا غير مهم لكلا الحزبين، وحتى الرئيس نيكسون لم يغير تلك القوانين.
منحت الصفقة الجديدة القوّة للعامل العادي، وهو الأمر الذي لم يسرّ فصيل المحافظين. باشر الرئيس فرانكلين روزفلت بمتابعة التشريعات التي أُقرت في عامي 1933 و 1935، والتي جعلت للنقابات العمالية الحقّ في التنظيم والتفاوض. خلال الفترة التي تَلت الحرب، ساعدت هذه القوانين المواطن العادي، وبحلول نهاية السبعينيات لم يتم الاكتراث لها.
أمريكيون كُثُر لا يعرفون كيف تحسنت حياة المواطنين بسبب قوانين الصفقة الجديدة. وكان هذا الجهل هو بوابة السياسيين المتطرفين لإلغاء تلك القوانين في الثمانينيات. لكن قبل أن تُهدم تلك القوانين، حدثت تغيّرات ثقافية كبيرة في السبعينيات.
القصة الثالثة: شهدت السبعينيات تنامي الأفكار المحافظة المتشددة المبنية على التعلّق بالماضي
في بعض النواحي، أتى عقد الستينيات بالكثير من التغيير. تسببت حرب فيتنام في خيبة أمل الشعب من الحكومة ومختلف الأطياف السياسية. لم يكن الأمر متعلقًا بما يمكن أن تفعله من أجل بلدك، بل ما يمكن أن تفعله بلدك لأناسٍ آخرين. كذلك كان بعض الناخبين قلقين بشأن الركود التضخمي للاقتصاد مع تعثّر النمو الاقتصادي وزيادة الأسعار. في نفس الوقت، كان هناك عنصريون مُستاؤون من التقدّم في المساواة الذي أحرزته حركة الحقوق المدنية.
مع كل هذا، أراد الكثيرون العودة إلى الخمسينيات وبداية الستينيات، عندما كانت الصورة تبدو أكثر إشراقًا – بالنسبة لهم على الأقل.
انظر إلى الأفلام الأمريكية في السبعينيات، وستلاحظ أن هذه النوستالجيا في ازدياد. بدأ “غريس” كمسرحية غنائية في عام 1971، قبل أن يتحول إلى فيلم سينمائي في عام 1978، وكان مليئًا بالصور والموسيقى الأيقونية التي تشير إلى عقد الخمسينيات.
قام بروس سبرينغستين بالشيء نفسه مع موسيقى البوب، حيث ارتكز إلى الصور والرمزيات الأكثر قربًا من الخمسينيات والتي لم تعد موجودة، وهو شيء أشار إليه نقاد الموسيقى في ذلك الوقت. بدأ مُحبّو موسيقى البوب باقتناء أغاني وألبومات عقد الستينيات، غامرينَ أنفسهم في عصرٍ اعتقدوا أنه الأفضل.
كانت الثمانينيات هي الفترة التي استغل فيها المحافظون المتشددون النوستالجيا بالحد الأقصى. حتى قبل ذلك، ظهر في الستينيات المرشح الجمهوري للرئاسة باري غولدواتر منتجًا لفيلم يلعب على أوتار الحنين إلى الماضي والخوف والذي كان موجهًا للناخبين البيض من الطبقة المتوسطة بشكل خاص. لعب الفيلم على مشاعر الخوف من التغيرات التي تمر بها الولايات المتحدة، مع نبرة عنصرية ومتحيزة ضد المرأة، ومتعرضًا كذلك إلى الانتشار الكبير للمخدرات. كانت وعود غولدواتر بالعودة إلى عالم مثالي بمثابة واحة خضراء وسط صحراء “الانحلال” – كما كان يعتقد. إلا أن الناخبين رفضوه بشكل حاسم في صناديق الاقتراع.
لكن في الثمانينيات، خضع الشعب للوهم. قامت مجموعة من الأشرار بتحضير أجندة سياسية لاستغلال تلك المخاوف.
القصة الرابعة: الاقتصاد غير المتماسك والأنانية الفجّة كانا أساس الحركة المحافظة التي ظهرت في السبعينيات
شهدت الولايات المتحدة تحولاً نحو الاقتصاد الذي يميل إلى اليمين المتشدد في عقد الثمانينيات، وكان هذا مَبْنِيًّا على ما حدث في السبعينيات. عمل الجناح اليميني والمفكرين والاقتصاديين على إثارة الشكوك وتشكيك الرأي العام بالاقتصاديات الليبرالية والقوانين التي جاءت مع الصفقة الجديدة. حيث روّجوا لأفكار مضادّة مثل تقليل الضرائب، حكومة أصغر حجمًا، وإلغاء تشريعات تنظيم الأسواق (خاصةً الأسواق المالية).
بل إنهم تمادوا أكثر من ذلك. فقد اتجهوا للتحدث بشكل سيء عن اليسار، زاعمين أن الشركات يتم الهجوم عليها من قبل مجموعة من الاشتراكيين الثوريين، ودعوا إلى ما وصفوه بـ “ثورة مضادة”، وهو ما بدا غريبًا وقتذاك. هذا مثالٌ واحد ضمن مسارٍ طويل من التخطيطات ومُفردات اللغة التي أخذها اليمين عن اليسار، وهو مما جعلهم يظهرون في حملتهم الانتخابية وهم يدعون إلى تقليل الضرائب بمظهر الضحيّة.
من قلب هذه الحركة – والتي كانت لا تزال مجموعة صغيرة من المليونيرات الغاضبين والمهووسين في السبعينيات – جاء الاقتصادي ميلتون فريدمان، الذي فاز لاحقًا بجائزة نوبل في الاقتصاد وأصبح رمزًا بالنسبة لرونالد ريغان ودونالد ترامب.
كان فريدمان واحدًا ممن عملوا في حملة باري غولدواتر الانتخابية (الحملة التي فشلت ولكنها كانت نافذة البصيرة). اقترح فريدمان إلغاء بعض الهيئات الحكومية ورفضَ برنامج الرعاية الصحية الذي كان على وشك الإقرار، وتمادى لاحقًا في كتابة مقالات “هيستيرية”. نشر مقاله التحرّري الأكثر شهرة “عقيدة فريدمان” في “مجلة ذا نيويورك تايمز” في السبعينيات وناشد فيه أصحاب الأعمال ألا يهتموا بأي شيء سوى الأرباح – مهما كانت التكلفة.
لم يكن فريدمان وحده، فكان هناك “أشرار عباقرة” آخرون مثل لويس باول، وهو محامٍ من فيرجينيا طالبَ اليمينيين باستخدام “سياسة المواجهة”. كتب مقالات تشرح للأغنياء كيفية التعامل مع زيادات الضرائب والإنفاق الحكومي، مخبرًا إياهم بأن يذهبوا إلى المحاكم. كما شجّعهم على تمويل مراكز البحث ذات الاتجاه اليميني والحملات الانتخابية للسياسيين اليمينيين.
لم تكن تلك مؤامرة، أو ربما كانت. إذا نظرنا إلى تزايد نفوذ جماعات الضغط في الثمانينيات لصالح الشركات وضد قضايا معينة مثل تغيّر المناخ، سنجد أن الأمر لم يكن صدفة. في عام 1971، تم تعيين باول كقاضٍ في المحكمة العليا. وكان رونالد ريغان، الممثل المعتزل والجمهوري، من المعجبين بأفكار باول وفريدمان.
القصة الخامسة: انتخابات رونالد ريغان في 1980 كانت نتيجة اتساق الديمقراطيين والحنين المُلغّم بالماضي
لم يحظَ السياسيون المتطرّفون بشعبية طيلة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى السبعينيات لم تكن فكرة الحكومة الأصغر حجمًا حاضرةً بقوة، وكذلك عدد السياسيين المدافعين عن تملّك الثروات الهائلة، وكان الناخب العادي ينظر إليهم بازدراء. لكن كل هذا تغيّر بعد ترشّح رونالد ريغان للرئاسة عن الحزب الجمهوري في عام 1980.
كان ريغان شخصية محبوبة شعبيًا مع كاريزما قوية، عرفه الأمريكيون كنجم لأفلام مثل فيلم “كينغز راو” وفي شخصية راعي البقر في فيلم “ويسترنز”. جعلته تلك الصفات حصان طروادة المثالي لتطبيق أفكار فريدمان وغيره. ففي الوقت الذي كانت فيه الثقافة الأمريكية تحنّ إلى الماضي، كان ريغان رجلاً من ذلك العهد الذي انقضى (والذي وعد أنه سيحييه).
واجهت حملة ريغان الانتخابية بداية صعبة مع وجود قيادة قويّة في صفوف الديمقراطيين. كان الرئيس وقتذاك، جيمي كارتر، يُنظر إليه كشخص بائس وحتى غير وطني. بشكل عملي، كانت سياساته مُحافظة. في عام 1979، خسر كارتر جزئًا ضخمًا من شعبيته، حيث تدنّت شعبيته إلى مستوى لم يسبقه إليه أي رئيس آخر منذ الحرب العالمية الثانية سوى ريتشارد نيكسون.
لم يكن كارتر الليبرالي الوحيد الذي ترك أفكاره تتلاشى. في عام 1975، قام صحفيو جريدة “واشنطن بوست” بتصرّفٍ بدا وأنه عداءٌ للطبقة المتوسطة، وذلك عندما فشلوا في دعم إضراب العمال موظفي الطبقة المتوسطة لدى الجريدة. تسببت مشاعر عدم التضامن تلك في أن تجعل مَهمّة اليمين أكثر سهولة.
خلال الانتخابات، ربح ريغان (وكذلك اليمين) معركة الأفكار. من أبرز ما قاله “أكثر تسع كلمات مرعبة في اللغة الإنجليزية هي: أنا أعمل لدى الحكومة وأريد أن أقدم لك المساعدة”، والتي قالها في عام 1984، وعكست – بشكلٍ مثالي – الاتجاه الجديد للتفكير اليميني.
في هذا الوقت، حتى الديمقراطيون أنفسهم بدأوا بمعارضة فكرة الحكومة الأكبر حجمًا. كان ريغان محظوظًا، خاصةً وأن كارتر لم ينجح في التعامل مع أزمة الرهائن الإيرانية التي بدأت في 1979، بالإضافة إلى محاولة الاغتيال الفاشلة التي زادت من شعبيته بشكل كبير للغاية. لكن هذه الشعبية أفادت الأغنياء أكثر من غيرهم.
القصة السادسة: حكومة ريغان جعلت الشركات أساس الحياة الأمريكية، وأعطتها القوة لفعل أي شيء تريده
لم يمر وقت طويل حتى تم تطبيق آراء ريغان واليمين التحرري حول الحكومة. على مدار الثمانينيات، زادت وتيرة إلغاء التشريعات التي بدأت مع جيمي كارتر بشكل جنوني. من قنوات التلفاز وحتى البنوك، حصل رجال الأعمال على الضوء الأخضر لفعل أشياء لم يكونوا ليحلموا بها قبل عشر سنوات.
أما الشيء الأكثر خطورة على الديمقراطية الأمريكية، فهو أن حكومة ريغان خففت بشكل كبير قوانين جماعات الضغط للشركات. شهد هذا العقد تناميًا لجماعات ضغط طالبت بتطبيق أو إلغاء القوانين وفقًا لأهواء الأغنياء. في عام 1975، طُرح تشريع جديد يهدف إلى تعزيز قوانين مكافحة الاحتكار، لكن تم تحييده من قبل جماعات الضغط. منذ الثمانينيات، زادت أنشطة جماعات الضغط بعشر أضعاف.
هل كانت تلك القوانين قادرة على إيقاف الاحتكار؟ فجأة، لم يعد يتم تطبيقهم كما كان الحال في العقود السابقة. كنتيجة لهذا، انتشر الاحتكار وزادت أسعار المنتجات، مما زاد من التضخم. ليس هذا فحسب، فقد عانت المؤسسة نفسها بعد تناقص عدد الشركات الجديدة بنحو الثلث منذ تولي ريغان الرئاسة.
سارعت الشركات العملاقة في احتكار صناعات تم تخفيف قوانينها حديثًا مثل التلفاز والراديو، واستفادت من تغيير جوهري في القانون الجديد: لم يعد عليهم أن يقدموا التوازن في أخبارهم وبرامج الرأي. أشخاص مثل روبرت مردوخ (مالك شبكة قنوات فوكس)، سعوا إلى استغلال هذا لنشر أفكار معادية للحكومة.
الرابح الأكبر – وبفارق كبير عن الملياردير العادي الذي استفاد من تقليل الضرائب من 70% إلى 50% – كان قطاع الخدمات المالية. فقد كان بإمكان الشركات شراء أسهمها الخاصة، مما فتح الباب للتلاعب بقيمة الأسهم. كما كان المديرون التنفيذيون يقتطعون الكثير من رواتب العمال، في نفس الوقت الذي ابتلع فيه حفنةٌ من المستثمرين المؤسّسّيين الكبار جزءًا كبيرًا من أسهم البلد.
في المقابل، وجد الموظفون أن نصيبهم من دخل البلد يتناقص، كما تناقصَ متوسط الأجور، وقُيِّدت النقابات العمالية عبر قوانين جديدة متهورة. كانت كفّة الميزان تميل – بشكل غير عادل – لصالح الشركات والأغنياء.
القصة السابعة: أن تفوز في انتخابات هو شيء، وأن تحرز تغييرًا دائمًا هو شيء آخر. لسوء الحظ، هذا ما أدركته أيضًا المجموعة التي تمثل مصالح الشركات الكبرى والأغنياء
سارعت مجموعة رجال الأعمال والمصرفيين وأقطاب الإعلام الذين تأثروا بمذكرة باول بتوجيه أفضل خريجي الاقتصاد والقانون نحو تفكيرهم المعادي للحكومة. تلاعبوا بتفكير الرأي العام بخصوص القانون وزيّنوا أجندتهم المتهورة لتبدو في مظهر عقلاني. في نفس الوقت، وافق القضاة الذين يميلون لليمين على تلك التعديلات في القوانين – مثل تقليل الضرائب – ودافعوا عنها في المحاكم. القانون نفسه أصبح آلة لمنح القوّة للأغنياء ومساعدتهم على الاحتفاظ بها.
بخلاف مذكرة باول، كانت هناك مذكرة أخرى أخذت المعركة ضد الحكومة إلى ساحات القضاء. كان مايكل هورويتز محامي متخصص كتب تقريرًا لمؤسسة تابعة لليمين ومملوكة من قبل رجل الأعمال ريتشارد ميلون سكايف الذي ورث شركة للبترول. نبّه هذا التقرير أثرياء أمريكا إلى “الفرص” المقدّمة من قبل النظام القانوني إذا كانوا مستعدين لـ “التمويل” للتلاعب بالقانون. حثّ التقرير أيضًا إلى “غسل صورته” من خلال منظمات غير ربحية يتم تمويلها من قبل الأغنياء.
لم يمرّ وقت طويل حتى تم تطبيق آراء هورويتز. فقد سارع طلاب جامعتي يال وهارفارد في الانضمام إلى الجمعية الفيدرالية، وهي جمعية كانت تهدف إلى الترويج للأفكار التحررية حول السوق الحرة. من بين أعضاء الجمعية كان أنتونين سكاليا، أستاذ في جامعة شيكاغو، والذي فاز فيما بعد بترشيح اليمين للمحكمة العليا. بتمويل أمثال سكايف، شكّلوا حركة تشجّع “حرفيًا” على نقض الدستور الأمريكي، إلى جانب روبرت بورك القاضي وحليف نيكسون.
كانت الحركة عبارة عن تفسيرات انتقائية روّجت لحقوق الشركات الكبيرة، وأرادت تقييد حرية الرأي في الأمور التي لا تبدو “سياسية بشكل كامل”. وكان رفضه للحقوق المدنية مخفيًا تحت عباءة هذا التعريف. كل هذا أعطى الحركة التحررية قوّة أكبر. ومع هذا التغيير القانوني، تغيرت الثقافة الأمريكية أيضًا.
القصة الثامنة: تحوّل الجشع والتهور في الثمانينيات إلى موضة، وهو ما جعله غوردون غيكو أيقونيًا
لم تكن السياسة الأمريكية هي الشيء الوحيد الذي يتجه إلى الأنانية. فثقافة المجتمع نفسها أصبحت مهووسة بتلك الأفكار. أن تتباهى بثروتك كان شيئًا عاديًا لكنه تحول إلى أمر مرغوب فيه. مثلاً، وارين بافيت، أحد أغنى رجال العالم، لم يُنظر إليه باستغراب عندما كان يعيش بشكل متواضع في منزل في أوماها، نبراسكا، حتى الثمانينيات.
عكست أفلام الثمانينيات هذا المزاج المتغير، بشكل خاص فيلم “وول ستريت”، الذي قدم نقد سطحي للثقافة المتأثرة بالمال، لكنه في نفس الوقت أعطاها بريقًا جذابًا. الرأسماليون لا يجمعون أموالاً مجنونة، بل إنهم يُجنّون بسبب المال. يمكنك أن ترى هذا في الأفلام، الموسيقى، والأدب، ومازالت هذه الثقافة موجودة حتى الآن في نواحٍ عديدة.
في فيلم “وول ستريت”، نرى أن المصرفي غوردون غيكو هو مجرم، لكن عندما يتحدث عن التلاعب بأصحاب الأسهم وعن ثقافة “البقاء للأصلح”، فإن حديثه يُقابل بالتصفيق. أشهر مقولاته: “الطمع شيء جيد”، كان المقصود منها السخرية وتقديم صورة قبيحة للطبقة المالية الجديدة الجشعة. ومع ذلك، يتم الاستشهاد بالمقولة مرارًا من قبل المتطرفين الذين يعتقدون أنه لا يوجد شيء جيد سوى الطمع.
لم تكن كارثة الانهيار المالي عام 2008 لتحدث بدون هذه النقلة في القطاع الاقتصادي التي حدثت في الستينيات والسبعينيات، فقبل ذلك كان هناك اعتمادٌ على الثبات وتجنّب المخاطرة، والتي تحولت إلى التسرع والحياة التي لا تشبع في الثمانينيات وما بعدها. لعبت الثقافة دوراً في هذا التغيير الذي يدور حول الجَشَع.
لم تكن التصرفات المتهورة متعلقة بالمصرفيين والأثرياء فحسب. مثل الإعلام وصناعة الدواء، شهد القمار تخفيفًا في القيود تسبب في جرِّ الملايين من الفقراء إلى المقامرة التي تزيدهم فقرًا. مع نهاية الثمانينيات، كانت هناك كازينوهات في نصف الولايات، في حين أنها كانت في ولايتين فقط في مطلع العقد.
القصة التاسعة: وول ستريت أصبح مركز القوة في الحياة الأمريكية، متسببًا في تدمير الأعمال، المهمّشين، والطبقة المتوسطة
لم تكن مُقامرات وول ستريت تتم من قبل البنوك وصناديق التحوّط فحسب، بل كانت مقامرات يقوم بها الجميع. حيث ظهرت مفاهيم مالية جديدة مثل عمليات الاستحواذ عبر القروض والمشتقات، والتي جعلت الأمور المالية صعبة الفهم بالنسبة للمواطن العادي. كنتيجة لهذا، زادت قوّة القطاع المالي بشكل غير مسبوق.
كانت النتيجة ازديادًا ضخماً في ثروة المصرفيين والمستثمرين، وإهمال العاملين في الشركات التي تلاعبت بها وول ستريت.
ظهرت العديد من الممارسات المالية في الثمانينيات وأصبحت رائجة بشكل كبير. حيث راجت عمليات الاستحواذ بالقروض، والقروض قليلة الجودة المسماة بـ “السندات غير المرغوب بها”، وهي طريقة جديدة لربح أموال طائلة عبر استثمارات عالية المخاطر. مهّدت تلك الممارسات الطريق للأزمة المالية في 2008.
جعلت المشتقّات والأوراق المالية المعقدّة سوق العقارات وأكبر بنوك العالم أمام مستويات كارثية من الديون. ويمكننا رؤية خط واضح بين هذه الكارثة وبين تخفيف التشريعات الذي قام به ريغان، وكيف أثّر هذا على المواطن العادي.
كل ما تحتاجه هو أن تنظر إلى الإحصائيات لتدرك كيف أثّرت هيمنة القطاع المالي على الاقتصاد الأمريكي. أكبر شركات الصناديق الاستثمارية المشتركة هي المالكة لتسعين بالمائة من كبرى الشركات في الولايات المتحدة، وثمانين بالمائة من الشركات الأمريكية.
مع ذلك، لم تحقق تلك الاستراتيجيات نجاحًا يُذكر. أظهرت إحصائية لهارفارد في 2013 أن هيمنة القطاع المالي لم تحسّن الاقتصاد بشكل كبير، حيث أن المستثمرين المحترفين عادةً ما كانوا يقومون باستثمارات خاطئة. أكثر ما تسببت به تلك الممارسات هو تشجيع المواطن العادي على استخدام البطاقات الائتمانية، كما تسببت في دفع أفضل الطلاب إلى دراسة الاقتصاد بدلاً من المجالات العلمية والعملية.
القصة العاشرة: العولمة والثورة الرقمية غيّرا كل شيء، وسيزداد هذا بسرعة
بعد ثورة الإنترنت والتكنولوجيا الجديدة، بدأت الوظائف التقليدية ووظائف الطبقة المتوسطة بأن تقل شيئًا فشيء. حتى الآن، لم تظهر بدائل تكنولوجية بأعداد كبيرة لتحل محلهم. فيما بين عامي 2000 و2010، اختفت خمس ملايين وظيفة صناعية.
مع ذلك، تنبأ منتدى الاقتصاد الدولي أنه بحلول عام 2022 ستستخدم 300 من كبرى الشركات في العالم الروبوتات والحواسيب لإتمام 42% من أعمالها. وفي 2018، كانت النسبة لاتزال منخفضة بـ 29%.
لم تقدّم الحكومات المتعاقبة المساعدة للطبقات العاملة والمتوسطة، مستمرين في إعطاء الامتيازات للشركات الكبيرة والتكنولوجيا الجديدة. وكمثال على هذا، تخفيض الضرائب الكبير الذي قام به الرئيس السابق دونالد ترامب. إلا أنّ أتمتة الأعمال الاعتيادية يمكن أن ينتج عنها تغيير كبير في شكل المجتمع إذا ما اخترنا أن نستخدم التكنولوجيا لمصلحة الجميع — وليس القلّة من الأغنياء.
استبدال الجهد البشري بالتكنولوجيا هو أمر غير مستدام، لكنه أيضًا يعطينا الفرصة لتحرير الناس من الأعمال غير المحبّذة. وقد أسرعت جائحة كورونا من التقدم في تلك العملية، وجعلت منها أمرًا عاجلاً. تقليل العمل لا يعني بالضرورة زيادة الفقر، بل يمكن أن يعطي فرصة لتحسين حياة الكثيرين.
يدرك الشعب الأمريكي أن الحل لا يكمن في إعطاء الأثرياء المزيد من الأصول والمال. يمكن لراتب المعيشة الأساسي أن يكون الحدّ الأدنى الذي يضمن لكل عائلة توفير احتياجاتها.
عندما اكتُشف البترول في الثمانينيات، قرر المحافظ الجمهوري إعطاء كل مواطن في ألاسكا حصّته من عائد البترول. ولاتزال العائلات هناك تحصل على أموال من الحكومة كل سنة، أي أنهم يحصلون على نصيبهم من ازدهار ولايتهم. وفق إحصاءٍ تم إجرائه في عام 2017، فإن 61% من الأمريكيين يفضّلون اعتماد راتب المعيشة الأساسي.
يمكن أن تحرّر الأتمتة الملايين من الوظائف الصعبة منخفضة الأجر، ويمكن أن يكون راتب المعيشة الأساسي حلاً مبتكرًا للمضي قدمًا في هذا. علينا أن نعطي الأشخاص العاديين جزءًا من الثروة التي تجنيها الآلات للأغنياء، وأن ننظر بعين الحذر إلى الأجندة السياسية للتيار اليميني في السنوات المقبلة.
مختصر المُختصر
قبل الثمانينيات، كان الأمريكيون على وفاقٍ مع السياسيين فيما يخص حزمة إصلاحات الصفقة الجديدة التي تمّت في عقد الثلاثينيات، والتي ساعدت المواطن العادي في أن يحظى بحياة أفضل، وقيّدت قوة الشركات الكبرى. إلى أن تدخلت أفكار التيار اليميني التحرّري في الحكومة على يد رونالد ريغان بدعمٍ من الأثرياء. شجّعت هذه الاستراتيجيات المتشددة الشركات على التصرف بسلوكيات متهوّرة، متسببةً في تدمير وظائف ودخل الملايين من الناس.
تآمر وول ستريت مع الشركات الكبرى لجعل المال في مقدمة كل شيء، لكن المستقبل يعطينا فرصة للخروج من هذه العباءة. يمكن أن تعطي الأتمتة قليلي الدخل فرصاً أفضل من الوظائف الصعبة ومنخفضة الأجر. إلا أن الحكومات لابدّ وأن تتخذ القرارات الضرورية لمشاركة هذه الثروة مع الجميع.
انتقادات مختارة ومختصرة
يقدّم كورت أندرسن فحصًا ثقافيًا دسمًا ووجهة نظر ناقدة لتأثير هيمنة القطاع المالي على الاقتصاد الأمريكي، شارحًا – من منظور مجتمعيّ وثقافيّ – تأثيرَ الحركة التحرّرية المحافظة وانحسار الابتكار في الفن والموضة منذ الثمانينيات. جمعَ أندرسن أدلة قوية لتقديم حجّته بشأن تعمّد التيار اليميني التأثير على القانون والاقتصاد الأمريكي، وأضاف في الموضوع جديدًا بتسليطه الضوء على مجموعة من المذكّرات التي تم إقرارها ولم يدقّق فيها الشعب.
مع ذلك، هنالك علامات استفهام كثيرة بخصوص اقتصاديات أندرسن ومدى تماسك حجّته بكون النوستالجيا المحرِّكَ الأساسي للتيار اليميني فيما بعد الثمانينيات. فبينما يرسمُ خطًا واضحًا بين الاتجاهات الثقافية التي تحنّ إلى الماضي وبين تطوّر سياسات اليمين، لا يقدم دليلاً على أن هذا هو السبب.
إضافةً إلى ذلك، فإن تحليل أندرسن لصعوبات الاقتصاديات المبنية على العرض هو تحليل يُشوِّش عليه نقد مبني على الخرافات. هناك آخرون، مثل جورج غيلدر في كتابه “المعرفة والقوة” (2013)، يقدم نقدًا أكثر دقّة واتزانًا فيما يخص كلاً من الاقتصاديات المبنية على العرض والإنفاق غير المسؤول للحكومة.
أيضًا، نجد أن أندرسن يقبل بسهولة التفسيرات البسيطة للأحداث المعقدة. فبينما يعرض رؤية مثيرة للاهتمام عن الحركة المحافظة الجديدة، لا نجد أنه يخاطب بشكلٍ وافٍ التوابع المتعلقة بمعاداة التيار الديمقراطي، وبدلاً من ذلك نجده يلجأ إلى السخرية المتحفّظة ونظريات المؤامرة الخرافية.
بنفس الطريقة، نجد أن اقتصاديات أندرسن المبسّطة تقيّد نقدهُ لسياسات أوباما وكلينتون، لكن هذا يثير تساؤلات حيال تردد الحزب الديمقراطي في أن يتحدى الأفكار الاقتصادية المُجمع عليها والتي يقودها الحزب الجمهوري.
إن دفاع أندرسن عن راتب المعيشة الأساسي قد يكون النقطة الأكثر وضوحًا وقوةً في كتابه، مع دعم ميلتون فريدمان توزيعات الأرباح لشركات النفط في ألاسكا التي تعتبر ضربة قاضية. مع ذلك، وبشكل عام، فإن كتاب الأشرار العباقرة مكتوب بأسلوب ممتاز وببحث وافٍ.
كلمة أخيرة
تضاءلت فرص الطبقة الأمريكية العاملة بشكل لم يحدث منذ ما يقربُ من مئة عام. وجود الوعي السياسي أصبح مهمًا أكثر من أي وقت، فهناك أزمة جديدة متعلقة بالأتمتة بإمكانها أن تمهّد الطريق ليستعيد الأغلبية القوّة.
كتب أخرى قد تثير اهتمام القارئ
- “حماقات الاقتصادات المبنية على العرض” (Supply Side Follies) لماذا تفشل الاقتصادات المحافظة وتتعثر الاقتصادات الليبرالية ولماذا اقتصادات الابتكار هي الحل؟ – روبرت دي. أتكينسون (دراسة اقتصادية قويّة توضح فشل أفكار تيار اليمين في الاقتصاديات المعتمدة على العرض).
- “المعرفة والقوة” (Knowledge and Power) نظرية معلومات الرأسمالية وكيف تغيّر عالمنا بشكل ثوري – جورج غيلدر (عرض لنظرية اقتصادية معقدة تركّز على معرفة رواد الأعمال).
- “صعود وسقوط النمو الأمريكي” (The Rise and Fall of American Growth) معيار المعيشة في الولايات المتحدة منذ الحرب الأهلية – روبرت جي. غوردون (يشرح فشل الأجور في الولايات المتحدة في أن تعكس النمو الاقتصادي الحادث منذ الثمانينيات).