لا يمكنُ إنكار طموح كتاب يوسف زيدان «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني»، ولا سعة اطلاع مؤلفه، لكن المعرفة الواسعة لا تكفي وحدها لصناعة فكر متماسك. فما يهمني في أي عمل فكري ليس عدد المعلومات التي يحشدها، ولا جرأة الأسئلة التي يطرحها، بل دقة مفاهيمه، وتماسك حججه، وقدرته على التمييز بين ما تثبته الشواهد وما يستنتجه منها. ومن هذه الزاوية، أجدُ في الكتاب مشكلات تتجاوز بعض ملاحظات الأسلوب إلى طريقة بناء أطروحته نفسها.
أولى تلك المشكلات تبدأ من العنوان. فمصطلح «العربي» ملتبس: هل يشير إلى اللغة، أم الثقافة، أم المجال الجغرافي، أم الهوية القومية؟ هذه دلالات مختلفة لا يجوز التعامل معها باعتبارها شيئًا واحدًا. صحيح أن الانتماء العربي بمعانيه اللغوية والثقافية أقدم من القومية العربية الحديثة، لكن الأخيرة تبلورت بوصفها مشروعًا سياسيًا وثقافيًا في سياقات أواخر العهد العثماني وما بعده. ولذلك، فإن استخدام المصطلح في الحديث عن تاريخ الأديان يستدعي تحديدًا دقيقًا للمقصود به، حتى لا تُسقط مفاهيم حديثة على ظواهر تاريخية أقدم، أو تُمنح جماعات وتقاليد متباينة وحدةً لمجرد اشتراكها في لغة أو مجال جغرافي. أما مصطلح «اللاهوت»، فعلى الرغم من مشروعيته العلمية، يبدو لي اختيارًا غير موفّق. فقد كان من الممكن استخدام «العقيدة» في مواضع كثيرة، وإذا كان البحث يتناول التصورات المتعلقة بالذات الإلهية وصفاتها، أمكن التعبير عن ذلك مباشرة أو استخدام «الفكر العقدي». لا يعني هذا أن المصطلحات مترادفة تمامًا، بل إن لكل منها مجالًا دلاليًا خاصًا؛ لكن المصطلح المتخصِّص لا يصبح أفضل لمجرد أنه أكثر غرابة! وهنا تبرزث مشكلة أوسع في الكتاب، هي الميل إلى التقعّر والاصطناع، وكأن تعقيد العبارة يمنح الفكرة عمقًا إضافيًا، مع أن الكتابة الفكرية الجيدة تقاس بضرورة ألفاظها، لا بصعوبتها!
وتتصل بذلك مشكلة أخرى: إقحام معلومات واستطرادات لا تبدو صلتها بالحجة الأساسية واضحة دائمًا. فالكتاب ينتقل بين موضوعات تاريخية ودينية وفكرية متباعدة، حتى يخيل إليّ أحيانًا أن المؤلف يستعرض ما يعرفه أكثر مما يوظف معرفته لبناء استدلال محدد. ولا اعتراض لديّ على الاستطراد في ذاته؛ فالمقارنة بين الأديان تستلزم تتبع التأثيرات المتبادلة والسياقات التاريخية. لكن كل معلومة ينبغي أن تؤدي وظيفة واضحة: أن تثبت دعوى، أو تشرح سياقًا، أو تكشف علاقة. أما تراكم المعلومات من دون بيان كافٍ لصلتها بالنتيجة، فيمنح النص ثراءً ظاهريًا على حساب تماسكه. كذلك أتحفظ على الميل إلى جمع ظواهر دينية وتاريخية مختلفة ضمن إطار تفسيري واسع، من دون التمييز دائمًا بالقدر الكافي بين التشابه والتأثير، وبين الارتباط التاريخي والعلاقة السببية. فوجود أفكار متشابهة في تقاليد دينية متعددة لا يثبت وحده أن إحداها اقتبست من الأخرى، كما أن العثور على تصورات دينية ارتبطت بالعنف لا يكفي لتفسير العنف نفسه. إذ تتداخل في هذه الظاهرة عوامل سياسية واجتماعية ومؤسسية، وتؤثر في كيفية توظيف الأفكار الدينية وتأويلها. لذلك، فإن تفسير العنف الديني يتطلب أكثر من تتبع الأفكار التي صاحبته؛ إنه يحتاج إلى توضيح الكيفية التي تحولت بها تلك الأفكار إلى ممارسات، والظروف التي منحتها تأثيرها.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح أكبر حين ينتقل الكتاب من المقارنة بين الأفكار الدينية إلى تفسيرها من خلال ما يسميه «العقلية العربية». فربط اتجاهات مسيحية مبكرة، مثل الآريوسية والنسطورية وغيرها، بنمط ذهني عربي يتسم بالعملية والبراغماتية، ثم تفسير التوافق بين بعض تصوراتها والتصورات الإسلامية على هذا الأساس، ينطوي على قفزة تفسيرية تحتاج إلى أدلة مستقلة. فالتشابه بين الأفكار لا يثبت وحده وحدة أصولها الثقافية، كما أن الانتماء إلى مجال جغرافي معين لا يكفي لإثبات وجود عقلية جمعية ثابتة تفسر تطور الفكر الديني عبر قرون. بل إن إطلاق صفة «العربي» على شخصيات قديمة يستلزم تحديد المقصود بها تاريخيًا، والتمييز بين الموطن والأصل الإثني واللغة والانتماء الثقافي. وما أراه إشكاليًا هنا ليس محاولة زيدان إقامة صلات بين التقاليد الدينية، بل ميله إلى تحويل هذه الصلات إلى تفسير شامل قبل أن يثبت، في كل حالة، طبيعة العلاقة وحدودها. فالتاريخ لا يُفسر بمجرد جمع أوجه التشابه!
كما تبرزُ مسألة المنهج العلماني الذي يُفترض أن ينطلق منه الكاتب. فالعلمانية، بالمعنى المنهجي، ليست مجرد مساءلة الموروث الديني أو تحدي التصورات الشائعة، بل إخضاع الادعاءات للفحص التاريخي والنقدي، ولا ينبغي أن تتحول إلى يقين مضاد يستبدل تفسيرًا نهائيًا بآخر، أو يتعامل مع التأويل الخاص بوصفه حقيقة مكتملة. إن نقد المعتقدات لا يعفي الناقد من شروط البرهان، بل يضاعف مسؤوليته عن التمييز بين الوقائع والفرضيات والاستنتاجات. ولا أرى أن الكتاب يخلو من أسئلة تستحق البحث، أو أن موضوعه ليس مهمًا. لكن إثارة السؤال ليست هي نفسها الإجابة عنه، وكثرةُ الشواهد – غير المترابطة – لا يعطينا فكرًا!