Home / مواضيع / بزوغ نجم راسبوتين الشيطاني والملائكي

بزوغ نجم راسبوتين الشيطاني والملائكي

بزوغ نجم راسبوتين الشيطاني والملائكي

ولد راسبوتين في الحادي والعشرين من يناير سنة 1869، وفي تلك الفترة بدأت أوروبا بالاتجاه نحو عصر جديد تمامًا، وبدأت آثار الثورة الصناعية بالظهور على أرض الواقع، وظهرت العديد من الحركات الفكرية والفنية التي اعتبرت آخر القرن التاسع عشر هي نهاية العالم وسميت باسم حركة نهاية القرن أو آخر القرن، وفي روسيا بدأت الحركات الشعبية بالتمرد ضد السلطات وكانت نهاية الحقبة الفيكتورية، وفي مختلف أنحاء أوروبا بدأ الفكر الماركسي بالانتشار بين طبقة المفكرين وبدأوا بإلقاء المنشورات في كل مكان حتى يتمسك الفلاحون بحقوقهم، ودعوا إلى إنشاء مجتمع شيوعي يكفل للفلاحين والعاملين حقهم ويمنع الحكومات الملكية أو الديمقراطية، وكل هذا له تأثير كبير على حياة راسبوتين، لكن عندما كان راسبوتين شابًا كانت الأمور هادئة إلى حد ما خاصةً أنه عاش في قرية صغيرة كانت بعيدة عن كل هذا الصخب، وفي بداية حياته عرف راسبوتين بأن له مواهب وقدرات روحانية مميزة.
بداية حياة راسبوتين
في فبراير 1887 تزوج ببراسكوفيا فيودوروفنا دوبروفينا وحظيا معًا بثلاثة أطفال هم ديميتري وماتريونو وفارفارا، ومات لهما ثلاثة آخرين قبل أن يبلغو. ولكن من دون سابق إنذار هجر راسبوتين زوجته وأطفاله وأهله ورحل إلى مدينة فيرخوتوريي وهي مدينة صغيرة يقدر عدد سكانها ببضعة آلاف في ذلك الوقت، لكن كان فيها دير مهم دخل فيه راسبوتين، وبعد سنوات عاد إلى منزله وقد تحول إلى شخص مختلف تمامًا، وادعى أنه رأى العديد من الأشياء الغريبة، وأنه تحول إلى إنسان متصوف وعالم روحاني، وبدأ يستغل مواهبه في علاج المرضى والمصابين بإصابات مزمنة، وقضى بقية حياته وهو يمتهن هذه الوظيفة ويعتمد على التبرعات الخيرية، وبحلول القرن الجديد زادت شهرته إلى حد بالغ وذلك عندما ذهب إلى كييف وأثار انتباه الطبقات الغنية وكذلك رجال الدين، وكانت آراءه مميزة وجديدة تمامًا بالنسبة لهم، وطوال تلك السنين لم يمتلك أي مكان للإقامة، لذا كان يعتمد على أصدقائه ومريديه الذين كانوا يتشوقون لسماع حديثه.
الوصول إلى القصر الروسي
أقام لفترة عند الأمين ميليشيا أميرة مونتينجرو (التي أصبحت الآن دولة الجبل الأسود والواقعة في جنوب شرق أوروبا) وأختها أناستازيا، وكلتيهما كانتان مهتمتان بالصوفية الفارسية واستحضار الأرواح، وهنا بدأ راسبوتين بشق طريقه نحو قصر الإمبراطور، حيث عرفته الأميرة على الإمبراطور نيكولاس وزوجته أليكساندرا والتقى بهما في مطلع نوفمبر 1905 في قصر بيترهوف، وهذه الفترة كانت عصيبة بالنسبة للإمبراطور الذي كان يواجه الحرب مع الإمبراطورية اليابانية وثورة 1905، وطلب نيكولاس منه أن يأتي ليعالج ابنة رئيس وزرائه القادم التي جرحت بسبب هجوم عبر القنابل قبل ذلك ببضعة أسابيع، وهنا كان الاختبار الأول بالنسبة لراسبوتين، فهو الآن في حضرة أقوى الرجال في الإمبراطورية الروسية، ونجاحه يعني وصوله إلى أعلى المراتب، وكان من بين الحاضرين صحفي يدعى ديارمويد جيفريز ومؤرخ فرنسي يدعى بيير جيليلان، وقد نصح الراهب بأن تتوقف الفتاة عن أخذ الأسبرين وقال أن الدواء قد خفف من نزيف الدم لكنه الآن بلا جدوى، ونجح بالفعل في علاجها، لذلك طلبه الإمبراطور مرة أخرى في شهر أكتوبر من سنة 1912، لكن هذه المرة كانت من أجل علاج ابنه أليكسي الذي كان يعاني من الورم الدموي وكان ينزف باستمرار، وأرسلا إليه عبر التلغراف يطلبان من النصيحة والحضور، فقال لهما أنه عليه أن يبتعد عن ملازمة الطبيب حتى يتجنب الإرهاق، وظل راسبوتين معه ونجح بالفعل في علاجه لكن بعد شهور طويلة، وفي كل الأحوال فإن الفضل كله نسب إلى الراهب.
بعد هذه الواقعة أصبح من المتصوفين الأشهر في التاريخ، حيث لازم الإمبراطور نيكولاس وأصبح من رجاله المقربين، وبدأ نفوذه يزداد في أروقة القصر وتحول من راهب إلى مستشار سياسي، وبسبب دخوله إلى معترك السياسة فقد كون أعداء كثر كانوا هم السبب في مقتله فيما بعد، وقبل بداية الحرب العالمية الأولى نصح الراهب بألا تدخل روسيا الحرب ضد ألمانيا، وقال أنه في حالة دخولها فإن الإمبراطورية ستسقط، وكان الإمبراطور مؤيدًا للرأي الذي يقول بأن ألمانيا لن تقدر على مهاجمة روسيا وإنجلترا وفرنسا في نفس الوقت.
قدرات استثنائية
يحتمل أن راسبوتين وصل إلى سان بطرسبرج في منتصف سنة 1904، وطبقًا لوزير الحرب والجنرال فلاديمير سوخوملينوف فإنه تقابل وجهًا لوجه للمرة الأولى مع زوجة الإمبراطور أثناء حملها بابنها الأخير، ويذكر أن راسبوتين ذهب إلى كنيسة القديس ألكساندر نيفسكي لافرا (التي تم تأسيسها عبر بطرس الأول) كي يستطيع الحصول على المأوى والغذاء، ما يجعلنا نندهش ونتأكد من القدرات الغريبة لراسبوتين هو انجذاب عدد كبير من رجال الدين المسيحيين إليه وتعلقهم به بالرغم من أنه لا يعرف إلا معلومات بسيطة عن الدين، والمسيحية ديانة معقدة وتتطلب الانخراط في علم اللاهوت ودراسة الكتاب المقدس بلغاته الأصلية أي العبرية التي كتب بها العهد القديم واليونانية القديمة التي كتب بها العهد الجديد، وممن انجذبوا نحوه نذكر القسيس ثيوفانس الذي سحر بذاكرته الخارقة وتحليله النفسي للأشخاص والنصوص الدينية، وسمح له بالبقاء في شقته لفترة من الوقت.
الوصولية
استطاع راسبوتين التدرج من التأثير على الفلاحين إلى الوصول إلى قصر الإمبراطور عبر أشخاص متعددين، أول شخص فيهم هي الكونتيسة صوفيا سيرجيفنا إجناتيفيا، وقد عرفها عبر بعض القساوسة، ومنها تعرف إلى ميليشيا أميرة مونتينجرو ومنها إلى الإمبراطور.  هنالك العديد من الشائعات التي ظهرت حول راسبوتين وغيره من المتصوفين ، وإذا نظرنا بشكل عقلاني فإننا سنجد أن كلها مجرد ادعاءات كاذبة، أشهرها ما يتعلق بعلاقة محرمة بين الراهب وزوجة الإمبراطور، وذلك لأن اللقاء بينهما كان محدود جدًا وفق كل المصادر التاريخية.
راسبوتين: أميّ جاهل أم عالم روحاني؟
من الغريب أن رجلاً بهذه القوة كان لا يعرف القراءة أو الكتابة بشكل جيد، ففي سن الثامنة ترك راسبوتين المدرسة، وكل تعليمه كان محدود للغاية، وميلاده في قرية صغيرة لم يتح له أية أنشطة معرفية أو تعليمية، حتى عند دخوله إلى الدير فإنه لم يقضي فيه إلا وقت قليل ولا يظهر لنا أنه على علم بالديانة المسيحية، أما ما يقال عن قدراته العلاجية فهو لا يعرف أي شيء عن الطب، وحديثه في الفلسفة كان مجرد اختلاق لآراء فكر فيها بنفسه وحصل عليها أثناء ترحاله في اليونان ودول أخرى، وبالرغم من أنه يلقب بالراهب إلا أنه ليس راهبًا بكل تعريفات المصطلح، بل وحتى فإن بعض الباحثين يخبرونا بأن راسبوتين لم يكن متصوفًا، فأفعاله كلها تدل على أنه شخص وصولي استغل جهل الناس وادعى قدراته الاستثنائية على العلاج وفي الروحانيات، لكنه في الأساس لا يعرف أي شيء عن الصوفية و المتصوفين .
التنبؤ بخبر موته
من أشهر الحوادث التي تذكر عن راسبوتين أنه تنبأ بخبر تابع لموته، وهذا ما حدث بالفعل، فقد قال أنه سيتم قتله بواسطة شعبه وأهله الفلاحين، ووجه كلامه إلى الإمبراطور بأن موته لن يؤثر على حكمه بأي شيء وسيظل يحكم في سلام وأمان، وقال أنه إذا قتل بواسطة طبقة النبلاء ورجال القصر فإن حكم الإمبراطور سيزول في غضون سنتين، وستموت كل أفراد العائلة الملكية. ففي السادس عشر من ديسمبر من سنة 1916 اجتمعت مجموعة من رجال القصر بقيادة فيليكس بوسبوف وأخبروا راسبوتين بأنهم يريدون مجالسته، ثم وضعوا له سم قاتل، ويقال أن هذا السم يمكن أن يقتل خمس رجال، إلا أنه لم يظهر أي تأثير عليه، فقاموا بضربه بعنف وأطلقوا النار عليه، وفي اليوم التالي وجدوا جثته في نهر نيفا، وفي وقت قريب من الوقت الذي حدده راسبوتين في نبوءته فقد انتهى حكم الإمبراطور بالفعل، وذلك عندما اندلعت الثورة البلشفية وأتت بالحكم الشيوعي وأنهت الإمبراطورية.
Tagged:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *