انتشر في الأعوام القليلة الماضية مصطلح التشفير الكمومي (أو التشفير الكمّي)، وانتشرت التصريحات عنه بأنه مستقبل الأمن الإلكتروني، وأنه سيقضي على أعمال القرصنة الإلكترونية للأبد وأنه غير قابل للكسر أو الاختراق، فما هو التشفير الكمومي وما دخل ميكانيكا الكم بالتشفير؟
يعتبر التشفير الكمومي بشكل عام هو استخدام الميكانيكا الكمومية، في مجالين منها على الخصوص هما علوم الاتصالات الكمومية وعلوم الحوسبة الكمومية، والهدف من ذلك هو تشفير البيانات والمعلومات أو لتفكيك الأنظمة المشفرة مسبقًا، ويدخل تطبيق هذا التعريف البسيط في عدد من المجالات مثلا لتبادل مفتاح تشفيير أو ما يعرف بتوزيع المفتاح الكمومي وهو تطبيق للتشفيير الكمومي الناجح والذي يقوم على فكرة مشاركة مفتاح بين جهتين هما أليس وبوب مثلا بالإضافة إلى جهة ثالثة تجهل المفتاح وهي إيف، حتى إذا كانت الجهة الثالثة تعرف ما بين المفتاحين الأوليين فسيقوم المفتاح الكمومي بتفكيك نفسه وذلك بسبب الطبيعة الكمومية التي تعتمد على اللايقينة، بالإضافة إلى ذلك تجد تطبيقات مثل الاستعمالات الافتراضية للحواسب الكمومية حيث تفك تشفيرات المفتاح العام بالإضافة إلى نظم التوقيع الرقمي أو البصمة الرقمية التي تعتبر نوع من أنواع التعمية المستخدمة للأمان الرقمي المستخدم للمصادقة على صحة المضمون مثال عليه خوارزمية ال آر إس إيه المستخدمة للتشفير بواسطة مفتاح عام، وتعتبر الأولى في هذا المجال، وتعتبر مناسبة للتوقيع والتشفير وبمثابة أحد التقدمات الأولى في التشفير باستخدام مفتاح عام، وتشفير الجمل الخوارزمية التي ابتكرها طاهر الجمل في عام 1985 لتستعتمل في تشفير المفاتيح المفتوحة للعامة، ويعتبر من أهم تطبيقات التشفير الكمومي ومزاياه هو إمكانية استخدامه لفك تشفيرات معقدة كان من المستحيل فكها بالطرق التقليدية.
تاريخ التشفير الكمومي
كان التشفير الكمومي في البداية أبحاث غريبة وهلوسات في مختبرات الفيزيائين، ولكن الاتصالات العالمية ونقل البيانات عالية الأهمية جعلت الوضع ينمو والتكنولوجيا تطور بشكل كبير وسريع، في سبعينيات القرن الماضي اقترح ستيفن واينسر لأول مرة فكرة التشفير الكمومي، إلا ان جمعية المهندسين رفضت نشر البحث، رغم ذلك في العام 1983 نشر بحث واينسر في أحد دوريات علوم الحاسوب وبعد قرابة العشر سنوات كانت نظرية واينسر في تطوير تقنيات تأمين الاتصالات قد اعتمدت، رغم ذلك لم يكن ستيفن واينسر وحده من دعى إلى التشفير الكمومي فكان هناك طالب آخر في كلية ولفسون طور منهج مختلف عن منهج واينسر للتشفير الكمومي معتمدا على فكرة التشابك الكمومي. نما الاهتمام بالتشفير الكمومي في العامين الأخيرين بنحو كبير، وتعتبر أحد الأعمال التي تقدم الآن تخرج من معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء في مدينة إرلانجن من قبل الفريق العلمي الذي يرأسه العالم كريتوف ماركاردت والعالم جيرد ليوش، هل الأبحاث هي التي تحرك الشركات والسوق لطلبها أم الشركات ومتطلبات السوق هي التي تحرك الأبحاث للتطور، الأكيد هو أن الطرفين سيستفيدا، فهناك اهتمام واسع من شركات الاتصالات والمؤسسات الحكومية والمصرفية والبنوك بتطور مجال التشفير الكمومي بشكل سريع وفعال. ونتيجة لما قام به عدد من الفيزيائيين مؤخرا من تشفير عبر مسافات شاسعة وبدون حدوث أي اختراق، فهناك بادرة أمل من عدد كبير من العلماء من إمكانية تطبيق شبكة من الاتصالات العالمية القائمة على تكنولوجيا التشفير الكمومي وغير القابلة للاختراق.
التشفير الكمومي ومستقبل أمن الاتصالات
تزداد أهمية الحفاظ على المعلومات المنقولة وسرية الاتصالات في عالمنا يوما بعد يوم نتيجة ظهور الكثير من الصرعات، فبيانات البنوك ومؤسسات الدولة الهامة أو قطاع الصحة كلها معلومات من الخطر أن تكون في أيدي غير مسؤولة وإلا فقد يستغولها بشكل سيء، على الرغم من وجود تقنيات للتشفير مستخدمة في أيامنا هذه وتعتبر تقنيات قوية إلا أن إمكانية فكها مازال موجودا بتقنيات ومجهودات ما لذلك تزداد الرغبة في التشفير الكمومي إلحاحا. الأمر الآخر الذي يجعل التشفير الكمومي أشد إلحاحا هو الحواسيب الكمومية حيث يمكن لأي حاسب كمومي أن يخترق كل البيانات التي نتعامل معها اليوم ويفكك شفراتها فوجود تكنولوجيا تشفير كمومي لابد أن يسبق إنتاج الحواسب الكمومية التي تقترب هي الأخرى.
يعتبر التشفير المعقد أحد أهم الأشياء التي تحمينا دون أن ندري ذلك ربما، فحماية الحسابات البنكية والهويات من عمليات الاحتيال والتطفل هو يتم دون أن ندري، وهو الذي يتيح لنا مثلا عمليات البيع والشراء عبر شبكة الإنترنت دون خوف. ورغم ذلك بعض المخاوف تظهر من المدخل المحتمل للحواسيب الكمومية الفائقة التي قد تجعل معلوماتنا الشخصية عرضة لهجمات المحتالين والقراصنة. هذه المخاوف التي دعت علماء في جامعة بريستول للهندسة التقنية الكمومية إلى تطوير رقاقات بأحجام تصل إلى الميكرومتر مستغلة تكنولوجيا ميكانيكا الكم في توفير مستويات عالية من الأمان، فما ميزة هذه الأجهزة وعلاقتها بالتشفير؟
توزع الأجهزة مفاتيح تشفير باستخدام خواص التشابك الكمومي واعتمادا على العشوائية المطلقة التي تعتبر من خصائص السلوك الكمي، لا يمكن التحقق منها إلا من خلال ميكانيا الكم نفسها، يسمح هذا النظام بتبادل المعلومات باستخدام فوتونات مفردة في حالتها الكمومية، وميزته في الأمان أنه إذا تعرض الإرسال إلى اختراق فسيبب ذلك خلل في الحالات الكمومية مما سيعطي إنذارًا بوجود اختراق ومن ثم سيتوقف الإرسال مما يضمن مستو أعلى من الأمان، جدير بالذكر أن استخدام الفوتونات لترميز المعلومات بدلا من الكهرباء يعطي مفاتيح التشفير عمر غير محدد ويعتبر صيحة علمية، تختبر هذه الأجهزة الآن في شبكة الألياف البصرية في مدينة بريستول ما سيسمح باختبار أنظمة عالية الأمان وتوفيرها في وقت قريب.
مصادر:
أجهزة الكمبيوتر الكَمِّية و انتهاء عصر الحماية. نيكول رادوس. مدونة كاسبر سكاي.
من الحاسبة الكمومية إلى الحاسوب الكمومي. د. أبو بكر خالد سعد الله. مجلة الفيصل العلمية. أغسطس 2017.
Applied Quantum Cryptography. Christian Kollmitzer, Mario Pivk. Springer Science & Business Media, 2010
Post-Quantum Cryptography: 9th International Conference, PQCrypto 2018, Fort Lauderdale, FL, USA, April 9-11, 2018, Proceedings
Bennett, Charles H., et al. “Experimental quantum cryptography.” Journal of cryptology 5.1 (1992)
